تصنيف اردوغان لـ”جبهة النصرة” كمنظمة إرهابية اعطى الضوء الأخضر لتصفيتها.. ما هي الصفقة التي توصل اليها مع بوتين في اللحظة الأخيرة وعجلت بحسم موقفه؟ وهل ستسرع هذه المفاجأة الاردوغانية بهجوم ادلب ام تكون خطوة لتسوية تجنب وقوع الكارثة؟ ولماذا تصمت “الفضائيات” ومواقع التواصل الاجتماعي هذه المرة؟

 

 

عبد الباري عطوان

اعلان السلطات التركية تصنيف “هيئة تحرير الشام” (النصرة)، التي تسيطر على اكثر من 60 بالمئة من مدينة ادلب وريفها، منظمة إرهابية، على قدم المساواة مع شقيقتها “التوأم” “الدولة الإسلامية” (داعش) يعني موافقتها على “هدر دم” هذه المنظمة، وفك أي ارتباط سري او علني بها، تبديدا لكل الاتهامات، وإعطاء ضوء شديد الاخضرار للتحالف الروسي السوري بشن هجوم “ساحق” للقضاء عليها، وإعادة المدينة لسيادة الدولة السورية.

الرئيس رجب طيب اردوغان ادرك ان روسيا تدعم هذا الهجوم، وتضع كل ثقلها العسكري والسياسي خلفه، حتى لو تطلب الامر حدوث مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة بصورة او باخرى، ولهذا قرر الانضمام الى الجانب الروسي، وعدم وضع العقبات في طريقه، موجها رسالة قوية الى حليفه الأمريكي، وشريكه في حلف الناتو، بأنه حسم امره بشكل نهائي، ونقل بندقيته من الكتف الأمريكي الى الكتف الروسي في الوقت الراهن، وفي الازمة السورية على الأقل.

هذه النقلة الاستراتيجية التركية لم تكن مفاجئة بالنسبة للذين يعرفون الرئيس اردوغان، و”براغماتيته” السياسية، وتاريخه الحافل في تغيير التحالفات والمواقف اذا جاءت “المراجعات” انسجاما مع مصلحة تركيا وفق تصوره، ومصلحته الشخصية والحزبية أيضا، فمن تخلى عن حلب، وادار وجهه الى الناحية الأخرى عندما بدأ الهجوم الروسي السوري لاستعادتها قبل عامين لا يتردد في فعل الشيء نفسه، مع اقتراب ارهاصات بدء المعركة السورية الأهم والأخيرة فيها، وبدء مسيرة الاعمار التي يتطلع لأخذ الحصة الأكبر من كعكتها، وبدعم من الروس “مكافأة” له.

***

لا يستطيع الرئيس اردوغان ان يفك ارتباطه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سياسيا واقتصاديا، ويتخذ موقفا مضادا لخططه في ادلب، كما ان الرئيس الروسي لا يمكن ان يقدم على الهجوم دون ان يكون الرئيس التركي في صفه، ولا بد ان هناك مقايضة ما حصلت سنتعرف على تفاصيلها في المستقبل المنظور، في ظل تدهور علاقاته، أي اردوغان، مع الولايات المتحدة، والحرب الاقتصادية الشرسة التي يشنها عليه الرئيس دونالد ترامب لتسريع انهيار الليرة وتقويض الاقتصاد التركي، فمن ابرز أسباب هذه الحرب انحياز اردوغان لروسيا وتوقيعه اتفاقات تجارية ترفع التبادل التجاري معها الى 100 مليار دولار سنويا، ومد خط انابيب الغاز الروسي “تورك ستريم”، وشراء صفقة صواريخ “اس 400″ وتوطين صناعتها في تركيا، والالتزام علنا بالوقوف الى جانب ايران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الامريكية.

الرئيس اردوغان بدأ التمهيد لخطوة فك الارتباط رسميا، وعلنيا مع “جبهة النصرة” بإطلاقه تصريحا قبل ثلاثة أيام اعلن فيه عزم بلاده “القضاء على الإرهاب في سورية وإعادة الاستقرار اليها”، واضعا حدا لموقف بلاده “الضبابي”، وتجنب تبعات الهجوم الوشيك، وابرزها فتح حدود تركيا امام مقاتلي جبهة النصرة، ومئات الآلاف من النازحين السوريين، ولهذا قرر الانضمام الى المخطط الرامي الى تصفية 10 آلاف من مقاتليها جسديا تماشيا مع الاجماع الإقليمي والدولي، خاصة ان التنظيم (النصرة) رفض الضغوط التركية بحل نفسه، والتخلي عن المقاتلين الأجانب في صفوفه.

اجتماع قمة طهران الثلاثي يوم السابع من هذا الشهر، الذي يشارك فيه الرئيس اردوغان الى جانب نظيريه الروسي والإيراني، سيضع خريطة طريق “سورية الجديدة الموحدة”، واطلاق عملية المصالحة الوطنية، وبقاء الرئيس بشار الأسد في قمة السلطة لسنوات، وربما عقود قادمة، ورسم خريطة تحالف شرق اوسطي جديد، وغير طائفي، يقف في مواجهة محور الاعتدال “السني” الذي من المتوقع ان يدشنه الرئيس ترامب رسميا في مؤتمر يعقده في واشنطن في شهر تشرين اول (أكتوبر) المقبل، ويضم دول الخليج الست الى جانب الأردن والمغرب وربما مصر أيضا، وتكون فيه إسرائيل الشريك الخفي.

اللافت ان التحشيد ضد الحرب في ادلب، بشقيه السياسي واعلامي، من قبل التيارين السفلي والاخواني، ما زال ضعيفا او شبه معدوم، بالمقارنة مع الهجومين السابقين على حلب والغوطة الشرقية، رغم ان حجم الضحايا ربما يكون اكبر بكثير في حال اشتعال “ام معارك الحرب السورية” في الأولى، أي ادلب، فالقنوات “الفضائية” تلتزم الصمت على غير عادتها، والحل نفسه ينطبق على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يوحي بأن هناك مباركة، او اجماعا بالأحرى، على تصفية الجماعات السلفية المسلحة في سورية بعد تجميعها في ادلب، وتركيا وحلفاؤها جزء اصيل فيه، ولنا في “الجزيرة” واخواتها خير مثال.

***

عندما يكشف مايك بومبيو، وزير خارجية أمريكا، بأن سيرغي لافروف نظيره الروسي الذي التقاه مؤخرا يدافع بشراسة عن هجوم وشيك في ادلب، فالكتابة على حائط المدينة واضحة، ولا تحتاج الى تفسير او شرح، ولا نستبعد ان نصحوا غدا او الأيام القليلة المقبلة على انباء فتح الممرات الإنسانية لأجلاء المدنيين، تمهيدا لقصف روسي سوري سجادي للمدينة على غرار ما حدث في هجوم مماثل قاده بوتين شخصيا لاخراج المسلحين السلفيين من غروزني عام 1999 وانتهى بتدمير 95 بالمئة من العاصمة الشيشانية.

كل المفاجآت واردة في جميع الأحوال، ومن بينها حدوث انقسام او عملية فرز في “النصرة”، وفي اللحظة الأخيرة، بين المقاتلين السوريين الراغبين بتسوية أوضاعهم والمصالحة مع السلطة، والمقاتلين الأجانب، والعذر حقن الدماء وتجنب كارثة إنسانية.

قنبلة الرئيس اردوغان بوضع “النصرة” على قائمة الإرهاب ستكون لها ارتدادات عنيفة في معظم انحاء المنطقة، ان لم يكن كلها، وسلسلة من المصالحات، وعلى رأسها المصالحة السورية التركية التي باتت اقرب من أي وقت مضى.. والله اعلم.