اليكم ما لم يقل عن اتفاق التهدئة في القاهرة.. واجتماع مركزي عباس في رام الله.. لماذا اختلفت الحكومتان المصرية والقطرية على كل شيء واتفقتا على قطاع غزة؟ من قال ان أبناء غزة يريدون سنغافورة ومونت كارلو؟ وهل هناك وضع فلسطيني أسوأ من الحالي؟

عبد الباري عطوان

في البداية كانت اهداف “الثورات” الفلسطينية تحرير كل فلسطين ثم جرى تعديلها الى دولة ديمقراطية علمانية تتعايش على ارضها جميع الأديان على أسس من المساواة، وبعد دخول الغرب المتحضر الداعي الى البراغماتية على الخط، اختصروا هذه الدولة بحيث تكون على اقل من 20 بالمئة من حدود فلسطين التاريخية، والقبول بالقرار الاممي الملغوم 242.

لان إسرائيل التي كانت تتلهف الى أي لقاء مع الفلسطينيين، وتتطلع الى الاعتراف باغتصابها للأرض، رفضت كل هذه التنازلات من قيادة منظمة التحرير، وخرجت علينا بضغوط دولية وعربية بمفهوم السلام مقابل التهدئة، وغدا التهدئة مقابل رغيف الخبز، وبعد غد التهدئة مقابل القبول بإحتلال مذل مغموس ببعض ساعات من الكهرباء، وبضعة اميال إضافية للصيد في بحر غزة، وميناء في قبرص تحت اشراف إسرائيل.

وضع فلسطين الراهن هو الأسوأ، ويؤشر لقادم الى ما هو اكثر سوءا، فالفصائل تجتمع في القاهرة لتوقيع، او الشهادة، على توقيع اتفاق صاغته المخابرات المصرية بعد مفاوضات مع حركة “حماس″ ودولة الاحتلال، ما زال غامضا، ربما يؤسس “لحل انساني”، أي تخفيف  الحصار على قطاع غزة، وفتح المعابر مقابل هدنة لمدة عام تتمدد لأربعة أخرى، شريطة وقف فوري لكل مسيرات العودة، واطلاق البالونات الحارقة، وقيام شرطة “حماس″ بمنع أي فصيل من اطلاق الصواريخ، هذا التحرك جاء ليس حرصا على الشعب الفلسطيني وامنه وحقوقه الوطنية، وانما بعد نجاح مسيرات العودة، واستشهاد 160 فلسطينيا، واصابة اكثر من ثلاثة آلاف آخرين، معظمهم باتوا مقعدين، وحرائق فرغت غلاف غزة من المستوطنين، ونجاح نهج “النار مقابل النار” والصواريخ مقابل الغارات، فهل الثمن المطروح على الشعب الفلسطيني، وفي القطاع خاصة، يرتقي الى مستوى هذه التضحيات؟

***

إسرائيل التي استمتعت بتهدئة “مجانية” استمرت اربع سنوات ومنذ حرب عام 2014 وحتى اشهر معدودة، تشعر بالقلق، القلق على صورتها العنصرية الدموية التي فضحتها مسيرات العودة والخوف من اقتحام مليوني جائع فلسطيني الحدود، والزحف سلميا نحو مدنهم وقراهم المحتلة، ولهذا تريد التهدئة ووظفت السلطات المصرية للحصول عليها، ورسم خطوطها بنيامين نتنياهو اثناء اجتماعه السري مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في أيار (مايو) الماضي، وجرى التمهيد لها المزيد من الغارات، والتهديد باغتيال قادة حماس.

عندما يواجه الشعب الفلسطيني هذه الأيام اخطر مؤامرة على قضيته تتمثل في صفقة القرن، ويتم الاعتراف بالقدس عاصمة للدولة اليهودية، ويصدر الكنيست قرارا عنصريا يجعل كل فلسطين ملكا لليهود الذين يملكون وحدهم حق تقرير المصير، والآخرين اغراب، تنقل أمريكا سفارتها من تل ابيب الى القدس المحتلة، وتتعاظم عمليات التطبيع العربية مع إسرائيل، فهل هذا وقت التهدئة ام التصعيد؟

أبناء قطاع غزة الذين يشكل اللاجئون 80 بالمئة منهم، لا يريدون ان يتحول القطاع الى سنغافورة، ولا الى “مونت كارلو”، وانما الى جسر للعودة الى فلسطينهم التاريخية، واستعادة كل حقوقهم المغتصبة ولم يذهبوا الى الحدود في مسيرات العودة من اجل التهدئة، ولا من اجل عمل خمسة آلاف عامل في مطاعم تل ابيب واللد واسدود وعسقلان وحيفا ويافا وباقي المدن المحتلة.

وفد حركة “حماس″ دعا ممثلي الفصائل الى القاهرة من اجل ان يكونوا شهودا على توقيع الاتفاق الجديد الذي حمله مهندسه اللواء عباس كامل، رئيس المخابرات المصرية، الى تل ابيب لأقراره، وكنا نأمل ان يكون هذا الاجتماع الفصائلي غير المسبوق، للاتفاق على كيفية مواجهة صفقة القرن، وفرض وقف التنسيق الأمني والتصدي للقانون الإسرائيلي العنصري.

القطريون والمصريون في حال عداء غير مسبوق، ولكنهم وضعوا خلافاتهم وعداواتهم جانبا، واتفقوا على التهدئة، مصر تخطط، وقطر تمول، واللواء كامل يحمل الاتفاق الى تل ابيب والسيد محمد العماري، السفير القطري في غزة، يلتقي افيغدور ليبرمان الذي يهدد باجتياح قطاع غزة سرا في قبرص.. انه لغز محير يستعصي على الفهم، فهمنا على الأقل، ومن يملك حل هذا اللغز نأمل ان يطلعنا وغيرنا عليه.

الرئيس عباس يعقد اجتماعا للمجلس المركزي الذي لا يضم غير الموالين له من أعضاء تنظيمه “فتح”، ودون مشاركة أي فصيل فلسطيني آخر، وكان ابرز قرارات هذا الاجتماع ليس تنفيذ قرارات سابقة بوقف التنسيق الأمني وسحب الاعتراف بدولة إسرائيل، وانما دعوة المناضلة عهد التميمي وبعض الاشقاء المصابين الى الجلسة المقبلة، وهذه خطوات جيدة، ولكن هل هي الأهم؟ وهل تحول المجلس المركزي الى منظمة إنسانية تناغما مع الحل الإنساني المطروح؟ ولماذا تأجيل القرارات الى ما بعد دورة الأمم المتحدة؟

***

المعادلة في الحياة السياسية الفلسطينية كانت تقول ان هناك سلطة مستسلمة في رام الله ورطتنا في اتفاقات أوسلو، ولم نحصد من جراء ورطتها غير ضياع حل الدولتين وحق العودة ومدينة القدس، ووجود 800 الف مستوطن في الضفة الغربية، وتحول قوات الامن الفلسطينية الى أدوات لحماية المستوطنين وقمع الشعب في اكبر “عمالة” في تاريخ الثورات، اما الشق الآخر من المعادلة، ان هناك جبهة مقاومة تنتمي الى محور الممانعة بقيادة حركة “حماس″، الآن يلتقي ضلعا هذه المعادلة على أرضية التسابق لتوقيع اتفاقات مع الإسرائيليين تعطيهم الامن والسلام والاستقرار المطلق، وتطبيق استراتيجياتهم العنصرية.

السيد احمد جبريل، امين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) انفقنا معه او اختلفنا، قال كلمة جوهرية في خطابه الذي بعثه الى الوفد الذي يمثل حركته في اجتماعات القاهرة “الثورة الفلسطينية لم تنطلق من اجل اكل وشرب وانما من اجل التحرير والعودة”.

صديق هاتفته في قطاع غزة لكي اتعرف على حقيقة الأوضاع هناك مجددا وردود الفعل على ما هو مطروح من اتفاقات تهدئة، قال لي بالحرف الواحد “قدمنا آلاف الشهداء ودماء الجرحى، بنوايا طيبة، ولكننا نريد رغيف خبز مجبول بالكرامة”.

آمل ان يتحقق اتفاق القاهرة الذي قيل لنا انه سيعلن بعد العيد آمال هذا الصديق القريب، والملايين غيره، ولكن يظل لدينا الكثير من الشكوك.