الحروب الاقتصادية التي يشعل فتيلها ترامب في عدة جبهات دفعة واحدة لن تبق له أي صديق غير اسرائيل.. لماذا نعتقد ان تمرد باكستان وتركيا والعقوبات على روسيا والصين ستؤسس لنظام عالمي جديد عنوانه الكراهية لامريكا.. واسقاط دولارها؟

عبد الباري عطوان

يُقدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خدمة كبيرة لأعدائه ويخلق ازمات كبيرة لحلفاء بلاده، من خلال مبالغته في فرض الحصارات، وخوض المعارك الاقتصادية على اكثر من جبهة في الوقت نفسه، اذا استمرت مثل هذه السياسيات، فانه لن يجد له أصدقاء في العالم غير إسرائيل والمملكة العربية السعودية.

الرئيس ترامب فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، وبدأ حصارا خانقا ضد ايران، وحظر التعامل على الروبل، العملة الروسية، وشدد العقوبات على كوريا الشمالية، ويستعد لفرض رسوم جمركية على الصادرات الصينية الى بلاده قد تصل الى 400 مليار دولار في الأشهر المقبلة، واخرى على نظيراتها الأوروبية.

كل هذه الحصارات تقف خلفها إسرائيل التي باتت صاحبة النفوذ الأكبر على الرئيس الأمريكي، وتباهت مصادر إسرائيلية عليا بأن تفاصيلها وضعها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء، ودعمها جاريد كوشنر، تلميذه وصهر الرئيس الأمريكي ومستشاره الأبرز، مثلما اكد بن كاسبيت، الكاتب الاسرائيلي المقرب من المصادر الأمنية في مقال له نشره في مركز “المصدر” المتخصص في شؤون منطقة الشرق الأوسط.

***

عندما يشن ترامب حربا اقتصادية ضد كل من روسيا وتركيا وايران، الدول الثلاث الأعضاء في منظومة “سوتشي” الإقليمية، فانه يعزز تماسك هذه المنظومة، ويضيف اليها كل من الصين وباكستان والهند، الدول التي أعلنت عدم التزامها بالعقوبات الامريكية هذه، وتحديها لأي عقوبات ضدها عقابا لها، مثلما هدد الرئيس ترامب.

الرئيس ترامب نجح حتى الآن في توحيد اهم واقوى دولتين اسلاميتين في الشرق الأوسط ضده، ووضع المذهبين السني والشيعي تحت مظلة العداء والكراهية لإدارته وبلاده، ونحن نتحدث هنا عن ايران وتركيا، الامر الذي سيصيب خططه في إقامة “ناتو سني” عربي، على أسسس طائفية بضربة شبه قاضية.

كان لافتا ان باكستان في عهد الرئيس الجديد عمران خان، شقت عصا الطاعة على الحليف الأمريكي، وأعلنت على لسان محمد فيصل، المتحدث باسم وزارة خارجيتها، انها لن تلتزم بالعقوبات الامريكية ضد ايران، وستواصل علاقاتها التجارية معها دون تغيير، وانها دولة ذات سيادة ، وترسم سياساتها وفقا لمصالحها وليس الاملاءات الخارجية.

هذا الموقف الباكستاني المفاجئ يعني ان باكستان خرجت من المعسكر السعودي الخليجي، وقررت الوقوف في الخندق الإيراني، في مواجهة الرئيس ترامب وادارته، وستحلق بها ماليزيا أيضا التي انسحبت من الحلف العسكري الإسلامي، وكانت خطواتها الأولى سحب قواتها من حرب اليمن، وذهبت الى ما هو ابعد من ذلك عندما أغلقت مركزا لمكافحة التطرف اقامته السعودية في كوالالمبور وحضر حفل افتتاحه الملك سلمان بن عبد العزيز اثناء زيارته لماليزيا قبل عام، ولا نستغرب اذا ما أقدمت اندونيسيا على الخطوة نفسها.

التقارب الباكستاني الإيراني سينعكس سلبا على المشروع الأمريكي الرامي الى تعزيز الاستقرار في باكستان، والقضاء على حركة طالبان التي تخوض حرب عصابات شرسة، لنسف هذا المشروع الذي كلف الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف الناتو اكثر من الفي قتيل وترليوني دولار منذ التدخل العسكري عام 2001 وحتى الآن.

الحصار لن يؤدي الى تركيع ايران وقصقصة اذرعها العسكرية القوية في اكثر من دولة في المنطقة، وفرض اتفاق نووي جديد ومعدل، كما انه لن يفجر ثورة تزعزع استقرار الحكم في طهران وتؤدي الى تغييره، فزمن تغييرات الأنظمة ربما يكون ذهب الى غير رجعة، وصمود سورية بعد سبع سنوات من التدخلات العسكرية الدموية، وانفاق 70 مليارا من الدولارات، وضخ اكثر من 300 الف مقاتل بعد تدريبهم وتسليحهم، وحشد تحالف من 70 دولة، هو البداية والدليل في هذا المضمار، فدروس ليبيا والعراق واليمن وأفغانستان لن تتكرر.

***

أمريكا ليست وحدها القوة العظمى المسيطرة على العالم، فهناك الصين وروسيا، ودول نووية أخرى مثل كوريا الشمالية وباكستان والهند، باتت تقف في الخندق المواجه لهذه الغطرسة الامريكية، وتعلن تمردها العلني على حصاراتها، وربما تسير أوروبا على النهج نفسه في المستقبل القريب.

اذا توحد المثلث الروسي الإيراني التركي في جبهة واحدة على أرضية مواجهة الحصارات الامريكية على الدول لثلاث سينجح ويفشلها فشلا ذريعا، ومعها هيبة أمريكا كقوة عالمية كبرى، فالعالم يستطيع ان يعيش بدون الدولار الأمريكي، وبدون الأسواق والكوكاكولا الامريكية، قد تكون هذه الحصارات فأل خير، وبداية صحوة عالمية، وبلورة نظام اقتصادي جديد ومستقل، يستند الى سلة من العملات ليس بينها العملة الامريكية.

ربما يعتقد البعض اننا حالمون ومتفائلون اكثر من اللازم، وهذا اعتقاد في غير محله، لان أمريكا ومن خلال رئيسها المتهور، الذي لا يتعاطى الا مع المتهورين امثاله، تطلق النار على ارجلها، وتحشد الكراهية ضدها، ليس في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي فقط، مثلما كان عليه الحال في الثمانينات والتسعينات، وانما في العالم بأسره.

في الماضي كانت الكراهية لأمريكا ترتكز على دعمها للكيان اليهودي في فلسطين المحتلة، وحروبها في العراق وأفغانستان، الآن أضيفت الى هذه الأسباب حصاراتها وحروبها الاقتصادية التي تلحق الضرر بأقرب حلفائها قبل اعدائها.

ثورة الغضب ضد أمريكا عالميا باتت قريبة، ونرى عواصفها العاتية تتجمع، ولا احد يتنبأ بنتائجها، وقد تتغير أمريكا ونظامها، قبل حدوث التغيير في تركيا وايران وروسيا.. والله اعلم.