اتفاق “هدنة” العشر سنوات بين حركة “حماس″ وإسرائيل الذي جاء بوساطة مصرية بات وشيكا.. لماذا تلتزم سلطة رام الله الصمت؟ وهل هو صمت الرضا او المعارضة؟ وما هو موقف الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية منه؟ وهل ستتبادل “فتح” و”حماس″ الأدوار في الضفة والقطاع؟ وما هي احتمالات النجاح والفشل؟

عبد الباري عطوان

تؤكد معظم المؤشرات والتسريبات الصادرة عن كل من حركة “حماس″، والحكومة المصرية، ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ان اتفاق من اربع مراحل جرى التوصل اليه لهدنة طويلة الأمد، اعتمده اجتماع غير مسبوق للمكتب السياسي لحركة “حماس″ في غزة بحضور جميع أعضاء الداخل والخارج، برئاسة السيد إسماعيل هنية، رئيس الحركة، ونائبه صالح العاروري، الذي يتصدر المطلوبين على لائحة أجهزة الامن الإسرائيلية لدوره في مقتل ثلاثة إسرائيليين انتقاما للشهيد محمد أبو خضير، الذي احرقه مستوطنون إسرائيليون عام 2014، وكان هذا المقتل الذريعة الذي قادت الى العدوان على قطاع غزة عام 2014.

***

هذا الاتفاق، ومثلما اشارت معظم التسريبات المتعمدة لتهيئة الرأي العام الفلسطيني له، لعبت المخابرات المصرية المسؤولة عن ملفي القطاع وحركة “حماس″ دورا كبيرا في اعداده، والتفاوض مع الحركة حول بنوده، سيتم إعلانه رسميا بعد مصادقة الحكومة الاسرائيلية المصغرة عليه غدا الاحد، برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي الغى زيارة رسمية مقررة الى كولومبيا ليشرف على التفاصيل والمتابعة بنفسه، وفي ما يلي المراحل الأربع:

ـ المرحلة الأولى: وقف فوري لمسيرات العودة، وما يتفرع عنها من اطلاق طائرات ورقية حارقة، واشكال المقاومة كافة مقابل فتح معبري رفح وكرم أبو سالم بصورة دائمة.

ـ المرحلة الثانية: توقيع اتفاق مصالحة بين حركتي “فتح” و”حماس″ برعاية مصرية، ينص على استئناف دفع السلطة للرواتب، واجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في غضون ستة اشهر.

ـ المرحلة الثالثة: تدفق الاستثمارات المالية، عربية واجنبية، وبدء عملية إعادة الاعمار وبناء البنى التحتية، وانشاء محطات تحلية وتوفير الكهرباء، وميناء بحري ومطار في الجانب المصري من الحدود.

ـ المرحلة الرابعة: انطلاق مفاوضات تبادل الاسرى التي تشمل أربعة إسرائيليين، بينهم جنديان ومدنيان، وتوقيع اتفاق هدنة لفترة تمتد من 10 الى 15 عاما.

هذا الاتفاق، وللوهلة الأولى، يعني تحول حركة “حماس″ من حركة مقاومة الى “سلطة مدنية” طوال فترة الهدنة، مع احتفاظها بسلاحها، وجناحها العسكري “القسام”، والتخلي عن كل اشكال المقاومة للاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك المقاومة المدنية اللاعنفية، الامر الذي يضعها بطريقة او أخرى في وضع مماثل للسلطة في رام الله، والفارق الوحيد ان الأخيرة ملتزمة بالتنسيق الأمني مع الاحتلال من خلال قواتها الأمنية التي يزيد تعدادها عن 40 الف عنصر.

لا نعرف حتى كتابة هذه السطور طبيعة رد فعل سلطة رام الله تجاه هذا الاطار، ودورها فيه، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس يلتزم الصمت، والاتصال الوحيد مع “العراب” المصري للاتفاق تمثل في قيام وفد من حركة “فتح” برئاسة السيد عزام الأحمد، بتسليم رد الحركة على الخطة المصرية، ولم تصدر أي تصريحات او تسريبات على تفاصيل هذا الرد، مما يوحي بأنه كان اقرب الى الرفض، ولكن بطريقة دبلوماسية من خلال تقديم بعض المطالب والشروط.

الامر الآخر الذي يمكن التوقف عنده هو حول ما اذا كانت حركة “حماس″ موحدة في تأييدها لهذا الاتفاق ام لا، واذا كانت هناك معارضة له، فما هو حجمها، ومن سيقودها من بين أعضاء المكتب السياسي.

اما السؤال الثالث فيتعلق بموقف الفصائل الأخرى سواء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، او “الجهاد الإسلامي” او الحركات الإسلامية الاخرى المتشددة في القطاع، واذا كان موقفها هو الرفض مثلما يتوقع البعض، فكيف سيكون ردها؟ ولا بد من الإشارة الى انها استبعدت كليا عن المفاوضات مع مصر حول هذا الاتفاق.

ان هذا الاتفاق سيبدو في نظر كثيرين ونحن من بينهم، انه قام بنقل القضية الفلسطينية، ولو مرحليا، من كونها “قضية سياسية” الى “قضية إنسانية”، ومن اتفاق سلام شامل الى اتفاق سلام اقتصادي على غرار سلام توني بلير، المبعوث الدولي، وخطة سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني الأسبق، الذي عمل على تطبيقه في الضفة الغربية اسوة، او محاكاة، لاتفاق “الجمعة الحزينة” الساري المفعول حاليا في ايرلندا الشمالية، وانهى مقاومة الجيش الجمهوري الايرلندي بالتدرج نفسه.

فرص نجاح هذا الاتفاق في حال إعلانه تبدو “معقولة”، على الورق، لمشاركة الأطراف الفاعلة فيه على الارض، وخاصة مصر وحركة “حماس″ ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ولكن أي معارضة له، ومن قبل حركة “فتح” قد تضع عقبات كبيرة في طريقه، وحصول تبادل أدوار ومواقع بينها وبين حركة “حماس″ في قطاع غزة والضفة الغربية، على غرار ما حدث بعد الانقلاب على السلطة وانتقال مسؤولية إدارة القطاع لحماس.

اذا كان هذا الاتفاق يصب في مصلحة تخفيف معاناة مليونين من أبناء قطاع غزة تحت حصار خانق استمر عشر سنوات، فإن حكومة نتنياهو ستكون الفائز الأكبر أيضا، وقد ترتفع شعبيتها امام ناخبيها الإسرائيليين، خاصة في هذا الوقت الحرج، حيث تراجعت آمالها في انهيار سورية وتقسيمها، وتعرضت، وتتعرض الانتقادات واسعة في الوقت الراهن داخليا وعالميا، بسبب قانون المواطنة اليهودية الذي كشف للعالم بأسره وجهها العنصري.

***

ان هذا الاتفاق في حال نجاحه، قد يكون المرحلة التمهيدية الأولى لتطبيق صفقة القرن باسم آخر، او الشق المصري القطري (من قطر) ودون وجود تنسيق بين الجانبين، فالأولى قامت بالوساطة، وتقديم المغريات لحركة “حماس″، والثانية ستقدم المال، وهناك تسريبات إسرائيلية، لا نعرف مدى صحتها، تتحدث عن قيام شخصية إسرائيلية كبرى بزيارة الدوحة في اليومين الماضيين للاتفاق على حجم التمويل، وطريقة وصوله الى القطاع، والشركات التي ستتولى إعادة الاعمار، وبناء محطات تحلية المياه والكهرباء، والمطار والميناء.

حركة “حماس″ تقدم على مخاطرة كبرى، عنوانها كسب الوقت، وتكريس وجودها، وانقاذ أبناء القطاع من وضع لا يطاق، يصعب تحمله، بسبب الحصار، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بالبواطن وما تتطلع اليه دولة الاحتلال الإسرائيلي من وراء هذا الاتفاق، خاصة ان تجارب الفلسطينيين السابقة مع الاتفاقات المماثلة مؤلمة بكل المقاييس، وما جرى لاتفاق أوسلو، وبعد ربع قرن من توقيعه، ما زال ماثلا للأذهان.

سننتظر الإعلان الرسمي لبنود هذا الاتفاق وتفاصيله، وملاحقه، وضمانات تنفيذه، وردود الفعل الفلسطينية والعربية عليه، ولا نعتقد ان انتظارنا سيطول، ولكل حادث حديث.