تصريحان لمسؤولين روسيين ترسم خريطة طريق الهجوم المقبل الوشيك في سورية.. ما هما؟ وهل ستتولى تركيا عبر الجبهة الجديدة التي شكلتها تصفية جبهة “النصرة”؟ ولماذا لا توجد ادلب بعد ادلب؟ وما هو مصير “المجاهدين” وعائلاتهم؟ وهل بدأ مسلسل إعادة فتح السفارات؟

عبد الباري عطوان

تصريحان لمسؤولين روسيين كبيرين صدرا اليوم (الخميس) يمكن ان يحددا ملامح المشهد السوري بشقيه السياسي والعسكري في الأسابيع القليلة المقبلة.

ـ الأول: للجنرال سيرغي رود سكوي، احد القادة البارزين في هيئة اركان الجيش الروسي، وقال فيه ان القوات السورية دمرت كليا قوات تنظيم “الدولة الإسلامية” و”هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقا) في جنوب سورية وحررت 3332 كيلومترا مربعا، وسيطرت على 146 بلدة، وباتت تسيطر بالكامل على ثلاث محافظات وهي درعا والسويداء والقنيطرة وكل الحدود مع الأردن ومعابرها.

ـ الثاني: لسيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، الذي حدد الوجهة المقبلة للجيشين الروسي والسوري عندما قال اليوم أيضا “انه يجب تطهير الجيوب المتبقية في مدينة ادلب في الشمال الغربي من الجماعات الإرهابية”.

الرئيس السوري بشار الأسد كان أكثر وضوحا عندما قال اثناء اجتماعه مع وفد روسي زائر لدمشق الأسبوع الماضي “هدفنا الآن هو ادلب، رغم انها ليست الهدف الوحيد على أي حال”.

***

الاستراتيجية التي طبقها الجيش العربي السوري بنجاح منذ بداية الحرب، معتمدا سياسة النفس الطويل، والتنسيق الكامل مع الحليفين الروسي والإيراني، تتلخص في استعادة الحدود والمعابر لسورية شرقا وغربا، وشمالاـ وجنوبا، والحلقة الأهم في هذه السيطرة على الحدود مع الأردن والعراق تحققت تقريبا، وبقيت الحدود التركية الأخطر، التي تدفقت عبرها جحافل المقاتلين ومئات المليارات من الدولارات، والأسلحة الثقيلة والخفيفة معا.

هناك من يجادل بأن الهجوم على ادلب قد يتأجل بسبب الكلفة السياسية والعسكرية الباهظة لتواجد العامل التركي في المنطقة، وخضوعها لاتفاقات وقف تصعيد التوتر التي جرى التوصل اليها في الآستانة بين روسيا وسورية وايران تركيا.

القيادة التركية، بشقيها السياسي والعسكري ستحرص على تجنب الدخول في مواجهة مع موسكو، والجيش العربي السوري أيضا، وهي تتمتع بدرجة عالية من البراغماتية، تماما مثلما حدث في حلب عندما لم تتدخل لدى اقتحامها من قبل القوات الروسية والسورية، الأولى من الجو، والثانية على الأرض، واحكمت سيطرتها الكاملة عليها.

وربما يفيد التذكير بأن المحافظات السورية الثلاث في الجنوب التي أعاد الجيش السوري السيطرة الكاملة عليها، كانت خاضعة لاتفاقات خفض التوتر، وكانت التهديدات الإسرائيلية بعدم السماح لهذا الجيش بالاقتراب منها في ذروتها، ومع ذلك جرى اقتحامها بالقوة، وإعادة السيطرة عليها بالتالي.

بالأمس، وبرعاية المخابرات التركية، جرى تأسيس جبهة جديدة باسم “الجبهة الوطنية للتحرير”، تضم خمس فصائل أبرزها حركة “احرار الشام” وفصيل “نور الدين زنكي”، و”جيش الاحرار”، والهدف منها هو شن حرب تصفية ضد “هيئة تحرير الشام” التي يتزعمها ابو محمد الجولاني وتسيطر على 60 بالمئة من منطقة ادلب، ولا نستبعد ان تكون هذه الخطوة جاءت بالتنسيق مع روسيا، وفي محاولة لتجنب الهجوم العسكري على غرار ما حدث في جنوب سورية، أي القضاء على الحركات الجهادية المصنفة على قائمة الإرهاب، قضاء مبرما ودفعة واحدة.

الانباء القادمة من ادلب تقول ان حرب الاغتيالات بدأت بشراسة، وباتت تستهدف القيادات البارزة في جبهة النصرة، مثل ابو بكر المصري، القائد العسكري، وأبو البراء الحموي، القاضي الشرعي، وأبو همام اللاذقي، القائد الميداني، ومن المتوقع ان تتزايد عمليات الاغتيال هذه في حال عدم تجاوب ابو محمد الجولاني للضغوط التركية التي تطالبه بحل الهيئة.

العلامة الفارقة في الحرب المقبلة، انه لا توجد ادلب أخرى لإرسال المعارضين الرافضين لتسوية أوضاعهم مع الجيش السوري اليها، وانه لا يوجد امام هؤلاء الا احد خيارين، امام القتال حتى الموت، او عبور الحدود التركية المغلقة ومواجهة الموت أيضا برصاص القوات التركية الحامية لها، أي ان الموت في انتظارهما في الحالين.

****

تركيا تواجه مأزقا خطيرا جدا ايضا في ادلب، فإما ان تتصدى لأي هجوم سوري روسي لاستعادة السيطرة عليها، وفي هذه الحالة قد تخسر حليفها الروسي، وهذا مستبعد، او فتح حدودها امام ثلاثة ملايين من مواطني المحافظة الذين يريدون الهروب، لان نسبة كبيرة منهم من عائلات “المجاهدين” الذين جاءوا الى المحافظة في الحافلات الخضراء او سيرا على الاقدام، من مناطق القتال السابقة في حلب وحمص والغوطة الشرقية ودير الزور.

الرئيس اردوغان لا يريد لاجئا سوريا واحدا جديدا على ارض بلاده، ويتطلع الى التخلص من 3.5 مليون لاجئ بإعادتهم الى بلادهم، ولذلك ربما يكون الأكثر حرصا على تصفية مقاتلي هيئة تحرير الشام (النصرة) على ايدي الجبهة الجديدة التي أشرفت مخابراته على تأسيسها بقيادة العقيد فضل الله الحجي (قائد عام)، ونائبه المقدم صهيب لبوش، رئيس مجلس قيادة الجبهة، ويتردد انها تضم مئة ألف مقاتل.

سورية تعود بقوة الى ما كانت عليه قبل سبع سنوات، وقبل بدء الحرب تحديدا، بسلطة مركزية أكثر قوة وصلابة، وهذا ما يفسر الحركة النشطة في الحي الدبلوماسي في العاصمة دمشق، حيث بدأت عمليات تنظيف وترميم السفارات العربية والأجنبية استعدادا لإعادة فتحها مجددا مع استثناءات محدودة ومؤقتة، ونترك الباقي لفهمكم.