هل هناك علاقة بين هجوم الحوثيين على ناقلة نفط سعودية في البحر الأحمر وتهديد ايران بإغلاق مضيق هرمز؟ ولماذا تتزايد تسريبات الامارات حول نواياها بسحب قواتها من اليمن هذه الأيام؟ وكيف نفسر الصمت السعودي تجاهها؟

عبد الباري عطوان

اعترفت المملكة العربية السعودية اليوم بالهجوم الذي شنته وحدة تابعة لحركة “انصار الله” الحوثية على ناقلة نفط تابعة لها في البحر الأحمر، مما ادى الى اصابتها بأضرار بسيطة” حسب بيانها الرسمي، ويأتي هذا التطور العسكري الخطير في وقت تتزايد فيه التسريبات والتكهنات عن عزم دولة الامارات العربية المتحدة سحب قواتها من اليمن بعد ان بات متعذرا حسمها عسكريا طوال الأربع سنوات الماضية، حسب مسؤولين فيها.

لم تكشف وكالة انباء “سبأ” التابعة لحركة “انصار الله” عن كيفية إصابة هذه الناقلة، فهل جاءت نتيجة اطلاق صاروخ بحري عليها من البر، ام نتيجة هجوم بزورق يقوده انتحاريون؟ وأيا كانت نوعية السلاح الذي استخدم في هذا الهجوم، فانه يؤسس لنقلة نوعية جديدة في هذه الحرب، عنوانها الأبرز استهداف ناقلات النفط في البحر الأحمر، وتعطيل الملاحة الدولية فيه اذا لزم الامر.

لا نستبعد ان يكون هذا الهجوم مرتبطا بطريقة او بأخرى، بالتهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره ناقلات تحمل 18 مليون برميل يوميا في حال منع الصادرات النفطية الإيرانية في اطار العقوبات الامريكية المتوقع تطبيقها في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.

بعد مرور ما يقرب من اربع سنوات على الحرب السعودية الإماراتية في اليمن بات واضحا ان الحل العسكري مستحيل، رغم انفاق السعودية 64 مليار دولار على شراء أسلحة في العام الماضي فقط، متفوقة بذلك على روسيا في الانفاق العسكري، وفق ما جاء في بيان لمعهد ستوكهولم للسلام، واحتلال دولة الامارات المركز العاشر عالميا، حسب تقرير امريكي سنوي يرصد صفقات التسليح.

***

التطور اللافت الذي توقف عنده الكثيرون ونحن من بينهم، تزايد عدد التسريبات الإماراتية التي تمهد علانية للانسحاب من حرب اليمن، ومن اكثر من جهة رسمية، وسط تقارير تؤكد ان القيادة الإماراتية كانت تخطط لانتصار عسكري في الحديدة، تستخدمه سلم للنزول عن الشجرة، وسحب جميع قواتها في اسرع وقت ممكن تقليصا للخسائر، وتجاوبا مع ضغوط داخلية زاد تذمرها  في الفترة الخيرة من استمرار الحرب، والخسائر المادية والبشرية المترتبة على ذلك، ودون وجود أي مخرج سلمي او عسكري منها.

الامارات، وعلى عكس السعودية، توجد لها قوات عسكرية على الأرض تشارك في المعارك على الجبهات الامامية، بينما تكتفي شريكتها السعودية بالقتال من الجو، ونحن نتحدث هنا عن معارك الحدود الجنوبية، ولكن طائراتها لم تعد تجد أهدافا تقصفها، مما اضطرها الى قصف محطة للمياه في صعدة قبل يومين ما ادى الى حرمان خمسة آلاف طفل وعائلاتهم من مياه الشرب، حسب تصريحات للسيد خيري كالاباري، المتحدث باسم منظمة اليونسيف الدولية يوم امس، ونقلت تصريحاته عدة وكالات أبناء بينها “رويترز″.

مسؤول اماراتي كبير قال في جلسة خاصة في واشنطن ان الاكتشاف الأهم لهذه الحرب بالنسبة الى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد ووزير الدفاع السعودي، هو عدم وجود جيش قوي لبلاده مؤهل لخوض الحروب رغم الانفاق العسكري الكبير، وما يؤكد هذه الحقيقة تراجع مستوى التنسيق العسكري بين الشريكين، الاماراتي والسعودي في هذه الحرب، خاصة في منطقة الحديدة، مثلما أفادت تسريبات غربية، وبروز بعض الخلافات في هذا الاطار.

المراقبون توقفوا طويلا امام تصريحات السيد يوسف العتيبة، سفير الامارات في واشنطن، التي تحدث فيها بشكل واضح عن عزم حكومته الانسحاب من اليمن، وقال فيها انه ناقش مع المبعوث الدولي مارتن غريفيث انهاء الحرب وسحب جميع القوات الإماراتية، وابدى في الوقت نفسه تذمرا من رفض تقديم أمريكا دعما للتحالف في حرب اليمن مثلما كان مأمولا.

وما عزز من مصداقية هذه التصريحات غير المسبوقة، وعلى هذا المستوى حول الانسحاب، ما ذكرة الدكتور عبد الخالق عبد الله، احد مستشاري الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبو ظبي، في سلسلة من تغريداته على حسابه على “التويتر”، واكد فيها انه بعد اربع سنوات اتضح “انه لا يمكن كسب هذه الحرب بالضربة العسكرية القاضية، وقد تستمر لأربع سنوات أخرى بثمن سياسي وانساني باهظ، ولذلك اذا امكن عودة الشرعية بالمفاوضات فأهلا بالحل الدبلوماسي”، ولكن اين هي المفاوضات ومن سيشارك فيها؟

الأهم مما تقدم قوله في تغريدة أخرى “انا مع وقف الحرب حالا وعودة جنود الامارات الى الوطن، عندما يتم تسليم ميناء الحديدة، وخروج قوات الحوثي بسلام منها، لقد أدت الامارات واجبها واكثر، والتحالف بقيادة السعودية قدم كل ما يمكن تقديمه للحكومة الشرعية، وحان وقت القتال وترتيب وضع يمن ما بعد الحرب دبلوماسيا”.

الدكتور عبد الله لا يمكن ان يكتب هذا الكلام دون توجيه رسمي، واختيار دقيق للكلمات بعد مراجعتها من قبل القيادة الإماراتية العليا، وربما الشيخ محمد بن زايد شخصيا، فهذا موضوع من المحرمات الخوض فيه واطلاق تغريدات على هذه الدرجة من الخطورة والحساسية دون الرجوع الى القيادة العليا، او بتوجيه مباشر منها؟

***

مع تصاعد أصوات قرع طبول الحرب في المنطقة، والتهديدات الإيرانية بـ “ام الحروب”، واغلاق مضيق هرمز، وتكاثر الحديث عن تذمر “بعض الامارات” في الاتحاد الذي تقوده أبو ظبي، من “خطورة” الاستمرار في الحرب اليمنية، يبدو ان مهمة المبعوث الدولي غريفيث باتت محصورة ليس في انهاء الحرب في الحديدة، وانما تهيئة الأجواء لانسحاب القوات الإماراتية وحلفائها في اسرع وقت ممكن، واسدال الستار على “عاصفة الحزم”، وترك اليمن لليمنيين لترتيب وتحمل مسؤولياتهم تقليصا للخسائر البشرية والمادية (البعض يقدرها بحوالي 200 مليار دولار حتى الآن).

الإعلان عن رغبة الامارات في سحب قواتها من اليمن، ربما يفسر، وحسب تقارير مصادر دبلوماسية عربية في لندن، عدم تنفيذ حركة “انصار الله” الحوثية لتهديداتها بإطلاق صواريخ باليستية على مدن دولة الامارات، وخاصة دبي وابو ظبي، على غرار ما فعلت عندما اطلقت 120 صاروخا على الرياض وجدة والطائف وجيزان ونجران وخميس مشيط في السعودية.. والله اعلم.