لافروف والجنرال جيراسيموف في زيارة عاجلة لتل ابيب بطلب من بوتين.. ماذا حدث؟ وهل هناك مخاوف من اندلاع حرب إسرائيلية إيرانية وشيكة على الأرض السورية بعد تهديدات ترامب لروحاني ومباركة نتنياهو؟

عبد الباري عطوان

تطوران على درجة كبيرة من الأهمية يمكن رصدها في ظل تصاعد حدة التوتر على الجبهتين السورية والإيرانية، وحدة تبادل التهديدات بين الرئيسين الامريكي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني في اليومين الماضيين.

ـ التطور الأول: الزيارة المفاجئة والعاجلة التي قام بها اليوم (الاثنين) سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، والجنرال فاليري جيراسيموف، رئيس هيئة اركان القوات المسلحة الروسية الى تل ابيب، وعقدها لقاء “مغلق” مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بحضور ابرز قادة المؤسستين العسكرية والأمنية.

ـ التطور الثاني: تهديد الرئيس ترامب لإيران بدفع ثمن باهظ وعقوبات وخيمة لم يعان منها سوى القليل عبر التاريخ، كرد على تهديدات الرئيس حسن روحاني الذي لوح فيها “بأم الحروب” ضد الولايات المتحدة.

***

من الصعب علينا التكهن بالأسباب التي دفعت لافروف، ورئيس هيئة الأركان الروسي للقيام بهذه الزيارة المفاجئة، ولكننا نجزم بأن امرا خطيرا قد طرأ في الأيام القليلة الماضية استدعى هذه الزيارة ذات الطابع العسكري السياسي المزدوج.

السؤال الذي يطرح نفسه في هذه العجالة حول ما اذا كانت الرئاسة الروسية قد استشعرت احتمالات نشوب حرب بين إسرائيل وايران على الأرض السورية يمكن ان تتطور الى حرب إقليمية.

الغارات الإسرائيلية الجوية والصاروخية على اهداف داخل سورية تكاثرت، وكان آخرها قصف صاروخي إسرائيلي استهدف مدينة مصياف في محافظة حماة، اسفر عن خسائر مادية فقط، حسب البيان الرسمي السوري، الذي يحدد نوعية المنشأة المستهدفة وما اذا كانت سورية او إيرانية.

لا نستبعد ان تكون القيادة الروسية بدأت تشعر بحرج كبير من جراء هذه الاستفزازات الإسرائيلية، وانها بصدد توجيه تحذير غير مسبوق لنتنياهو، او اتخاذ قرار بتعزيز الدفاعات الجوية السورية بصواريخ “اس 300″ مثلا، والا لماذا يتواجد رئيس هيئة اركان القوات المسلحة الروسية في هذه الزيارة التي قال نتنياهو انها جاءت بطلب من الرئيس الروسي بوتين شخصيا؟

نتنياهو زار موسكو قبل عشرة أيام فقط (11 تموز)، وعقد اجتماعات مكثفة مع الرئيس بوتين، فما الذي استجد في هذه الأيام العشرة الأخيرة استدعى طيران لافروف والجنرال جيراسموف المفاجئة والعاجلة هذه؟

اما اذا انتقلنا الى التطور الآخر وهو تهديدات ترامب لإيران ورئيسها روحاني التي وصلت الى درجة الإيحاء بإغتياله، ومسؤولين إيرانيين آخرين، والتسريع بفرض العقوبات الاقتصادية، مثلما جاء على لسان وزير الخارجية مايك بومبيو، فانها أي التهديدات الامريكية، تعكس قلقا أمريكيا، ورغبة في التحشيد السياسي والنفسي ضد طهران، وبما يذكرنا بملاسنات مماثلة مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون، التي انتهت بقمة سنغافورة قبل شهر ونصف الشهر تقريبا.

 نعترف ان المقارنة بين كوريا الشمالية وايران ليست في مكانها لسبب بسيط وهو وجود عامل التحريض الإسرائيلي ضد الأخيرة، أي ايران، وتصاعده، بعد تواصل انتصارات الجيش العربي السوري، واستعادته لمدينة القنيطرة المحاذية لهضبة الجولان، بعد درعا وجوارها والحدود مع الأردن، ودون التوصل رسميا الى اتفاق سوري إسرائيلي بتجديد تفاهمات الهدنة التي جرى التوصل اليها عام 1974، وابتعاد القوات الإيرانية 80 كيلومترا عن حدود فلسطين المحتلة.

إسرائيل وحلفاؤها السنّة العرب لا يريدون صلحا أمريكيا إيرانيا يكرس الوضع الراهن، بما في ذلك الوجود الإيراني في سورية، واذرعه ذات القوة الضاربة التي باتت تشكل جيوشا موازية في لبنان (حزب الله)، والعراق (الحشد الشعبي وحزب الله العراق)، واليمن (انصار الله)، ويعتقدون ان الحل يتمثل في ضرب ايران لانها لن ترفع الراية البيضاء رضوخا للشروط الامريكية الإسرائيلية المذلة، وهو الموقف نفسه الذي طالبت فيه هذه الدول بالتعاطي أمريكيا مع الغزو العراقي للكويت.

استمرار الغارات الإسرائيلية الجوية والصاروخية على سورية دون رد من الصعب ان يستمر، وفرض أي حصار اقتصادي على ايران، بما في ذلك منع تصدير نفطها كليا، لا يمكن ان يمر دون رد إيراني أيضا، لانه سيكون خطوة رئيسية على طريق تغيير النظام، وجميع الأنظمة التي لم تقاوم هذا الحصار منذ بدايته، سقطت بشكل مهين، ونحن نتحدث هنا عن العراق وليبيا تحديدا.

ما يجعلنا نرجح صلابة الموقف الإيراني، وتفهم القيادة الإيرانية لهذه المخاطر رد السيد محسن رضائي، الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام، على تهديدات ترامب التي قال فيها “احذر انت أيها المجنون لانك انت من لديه اكثر من 50 الف عسكري في مرمى رصاص ايران”.

***

ما يقصده السيد رضائي هو القوات الامريكية في العراق وسورية وأفغانستان، وفي القواعد العسكرية في الخليج التي ستكون رهينة صواريخ ايران وحلفائها، بالإضافة الى إسرائيل طبعا، فترامب رضخ لرئيس كوريا الشمالية والتقاه في سنغافورة خوفا من 30 الف جندي امريكي في كوريا الجنوبية، وكذلك على حلفائه في اليابان وكوريا الجنوبية وازدهارهم الاقتصادي.

هذه هي اللغة الوحيدة التي نعتقد ان أمريكا ورئيسها المتهور المتغطرس ترامب يفهمها، ويكفي تذكيره بأن حصار خانق استمر عشر سنوات لم يركّع أهلنا في قطاع غزة، الذي لا تزيد مساحته 150 ميلا مربعا، فهل سيرهب حصار مماثل لقارة اسمها ايران.

اذا اندلعت الحرب ستكون “ام الحروب” فعلا، او هكذا نتوقع، ولعل هذا احد ابرز أسباب زيارة لافروف لتل ابيب العمل على منعها، وتحذير إسرائيل من جرّ المنطقة والعالم فيها.. والله اعلم.