ايهما ستختار ايران.. “ام السلام” او “ام الحروب”.. ولماذا نرجح الثانية؟ وهل يقدم ترامب على اطلاق المخزون النفطي الاحتياطي لإيصال الأسعار الى معدلات مدمرة في تكرار للسيناريو العراقي قبل غزو الكويت؟

عبد الباري عطوان

تجدد التهديدات بإغلاق مضيق هرمز على السنة المسؤولين الإيرانيين، وآخرهم السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية يعكس قلقا متصاعدا، وليس رغبة في الحرب، ودعوة للإدارة الامريكية غير مباشرة للجلوس الى مائدة الحوار بحثا عن الحلول.

صحيح ان السيد خامنئي حرص يوم امس على تأكيد قناعة إيرانية مفادها انه لا فائدة ترجى من الحوار مع الولايات المتحدة لانها لا تلتزم بتنفيذ الاتفاقات الموقعة، ولا تحترم توقيعها عليها، لكن المسؤولين الإيرانيين ربما ينخرطون في الحوار اذا كان خيارا مطروحا على الطاولة، ومن منطلق كسب الوقت على الأقل، وتأجيل الانجراف الى اتون الحرب لأطول فترة ممكنة.

السيد حسن روحاني، الرئيس الإيراني المعتدل، صعد في الأيام الأخيرة تصريحاته ذات الطابع التحذيري للولايات المتحدة من جراء أي عقوبات يمكن ان تفرضها على بلاده، وما يمكن ان يترتب عليها من تبعات، واصفا هذه العقوبات المحتملة بأنها “لعب بالنار” يمكن ان يحرق اصابعها، وكان قوله “السلام مع ايران سيكون ام كل السلام، والحرب معها سيكون ام كل الحروب”.

***

ايران، وحسب تقديرات مسؤول خليجي كبير في شؤونها، تحدث الى “راي اليوم”، اكد ان تهديدات روحاني هذه هي رسالة الى واشنطن، والرئيس الحالي دونالد ترامب، بالتعقل، وعدم التهور، والبحث عن خيارات أخرى، لان ايران تدرك جيدا ان اغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره 18 مليون برميل يوميا هو “اعلان حرب”، ربما يوحد أطرافا دولية عديدة ضدها، وبما يخدم عدوانية الرئيس الأمريكي، وما زال الكلام هنا للمسؤول الخليجي نفسه.

المسؤولون الإيرانيون يخشون من اقدام الرئيس ترامب على ثلاث خطوات يمكن ان تلحق الضرر بهم وشعبهم:

ـ الأول: فرض حصار اقتصادي خانق على امل تأليب الشعب الإيراني ضد حكومته، ودفعه لدعم، او عدم معارضة أي تدخل امريكي لتغيير النظام.

ـ الثانية: تحريك الأقليات غير الفارسية، وغير الشيعية، على غرار النموذجين السوري والعراقي.

ـ الثالثة: اطلاق كميات كبيرة من المخزون النفطي الاحتياطي مما يؤدي الى تخفيض الأسعار الى معدلات مدمرة للاقتصاد الإيراني.

لا نعتقد ان الإيرانيين يمكن ان يقبلوا بالشروط الامريكية في أي حوار افتراضي، لانها تعني استسلامهم الكامل، والتخلي عن طموحاتهم النووية والصاروخية الى الابد، وهذا امر مستبعد لانه يذكر بالسيناريو العراقي، وعواقبه الوخيمة، ولكن اذا كانت المفاوضات التي يمكن إطالة مدتها متاحة، بمشاركة الأوروبيين أيضا فلم لا.

مشكلة الإيرانيين تنحصر في تعاملهم مع رئيسين متهورين كل لأسبابه، الأول بنيامين نتنياهو، الذي يريد ان يتوج حياته السياسية “بنصر ما” يجنبه مصير سلفه ايهود أولمرت، الذي انتهى بالسجن، والثاني ترامب، الذي تتصاعد ضده وادارته الانتقادات الامريكية في أوساط قطاع عريض من النخبة السياسية والشعب الأمريكي معا، ويعتقد ان ضرب ايران يمكن ان يظهره بالرئيس القوي.

اغراق أمريكا أسواق النفط العالمية بكميات كبيرة من مخزونها النفطي، وتحريض بعض حلفائها في منطقة الخليج، والكويت والامارات على وجه الخصوص اديا الى انخفاض الأسعار الى اقل من عشرة دولارات للبرميل عامي 1988، و1989، الامر الذي أدى الى انهيار الاقتصاد العراقي الخارج للتو من الحرب، ودفع الرئيس صدام حسين الى غزو الكويت صيف عام 1990.

***

القيادة الإيرانية قد تقدم على خوض “ام الحروب” مكرهة اذا واجهت السيناريو نفسه، لانها قد لا تنتظر ان يتم نقل المعركة الى عمقها، وتأزيم الجبهة الداخلية من خلال “تثوير” الأقليات العرقية والطائفية بالتوازي مع منع صادراتها النفطية كليا، وربما هذا ما قصده السيدين خامنئي وروحاني في التصريحات الأخيرة.

ربما لا تلجأ ايران الى اغلاق مضيق هرمز في البداية كرد على العقوبات الامريكية الوشيكة، وتكتفي بإطلاق جزء كبير من الألغام البحرية في مياه الخليج والبحر الأحمر لزعزعة الملاحة الدولية، وارباك السفن الحربية الامريكية، وناقلات النفط، الامر الذي يؤدي الى ارتفاع أسعار النفط ورسوم التأمين، تماما على غرار ما حدث في الثمانينات في ذروة الحرب العراقية الإيرانية.

المنطقة تتأرجح حاليا بين “ام الحروب” و”ام السلام” وفي ظل وجود قيادة أمريكية مرتبكة ومتهورة، تحولت الى أداة، او دمية في يد نتنياهو والصهيونية العالمية، لا نستبعد الام الأولى، “أي ام الحروب”.

ايران قوية، وتزداد قوة، وتملك قدرة متميزة في قراءة التطورات وتقدير المواقف ولا نعتقد انها ستمد رقبتها لحبل المشنقة الأمريكي الإسرائيلي طوعا، ايران ستناور وتحاول كسب الوقت، ولكن اذا وصل الامر الى قطع الاعناق النفطية، وتجويع الشعب الإيراني على امل اسقاط النظام، فإن الرد سيكون مختلفا.. بل مختلفا جدا.. والله اعلم.