لماذا يرتفع منسوب القلق في أوساط جيران سورية الأردنيين والإسرائيليين هذه الأيام وينخفض في دمشق؟ وهل ستأتي زيارة نتنياهو الثالثة لموسكو في غضون ستة أشهر بنتائج مختلفة تبدد “هلعه”؟ وما هي الأسباب الحقيقية لإغلاق الحدود الأردنية في وجه نازحي درعا ورفض كل الضغوط لفتحها؟

عبد الباري عطوان

بعد سبع سنوات من الحرب الطاحنة في سورية التي من المفترض ان تكون قد أنهكت الجيش العربي السوري، ناهيك عن اسقاط النظام، يرتفع منسوب القلق في أوساط الدول التي دعمت هذه الحرب، بطرق مباشرة او غير مباشرة، ونحن نتحدث هنا عن الأردن ودولة الاحتلال الإسرائيلي، والولايات المتحدة الامريكية، وبعض الدول الخليجية تحديدا.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي يطير الى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمرة الثالثة منذ بداية العام طالبا النجدة مع اقتراب الجيش السوري من اكمال سيطرته على درعا كاملة، ونشر قواته في مواجهة جبهة الجولان المحتل، مع تزايد الانباء عن وجود قوات إيرانية وأخرى تابعة لـ”حزب الله” بدأت تبني قواعدها في المنطقة.

قبل زيارة نتنياهو للعاصمة الروسية بأيام حط الرحال السيد ايمن الصفدي، وزير خارجية الأردن، الذي التقى نظيره الروسي سيرغي لافروف، طالبا استئناف الوساطة الروسية مع فصائل المعارضة المسلحة في الجنوب السوري، ومتعهدا بأن تتراجع، أي هذه الفصائل، عن معظم شروطها، وتسليم أسلحتها دفعة واحدة، والخروج من المناطق التي تسيطر عليها في جنوب درعا، وهي المنطقة التي تحظى برمزية خاصة بحكم انطلاق شرارة الاحتجاجات ضد النظام منها، وكان لوزير الخارجية الأردني ما أراد، وفورا جرى استئناف المفاوضات بعد قصف روسي شرس رسالته الواضحة اكدت انه ليس هناك الا مخرج واحد مطروح على المائدة، أي سيناريو الغوطة الشرقية، او تحمل النتائج المترتبة على الرفض او المراوغة.

***

الأردن يريد حلا سريعا لازمة الجنوب السوري وعودة السيادة السورية لمعبر نصيب الحدودي، لتحقيق هدفين رئيسيين: الأول ضمان ضخ 400 مليون دولار تقريبا في شرايين الميزانية الأردنية المتيبسة كعوائد الرسوم على البضائع والشاحنات التي ستمر عبره في الاتجاهين، والثاني عدم إطالة امد اغلاق الحدود الأردنية في وجه 200 الف نازح يرابط نصفهم في الجانب السوري ينتظرون التراجع عن هذا القرار، لما يمكن ان يترتب على هذا الاغلاق من احراجات وضغوط داخلية وخارجية.

اغلاق الحدود الأردنية في وجه النازحين السوريين “المحتملين” لا يعود الى ضخامة الأعباء المالية المترتبة على دخولهم الى الأردن الذي يواجه أزمات مالية حادة، فهناك وعود من الأمم المتحدة ودول مانحة في تسديد معظم الالتزامات المالية، ان لم يكن كلها، وانما لأسباب امنية بحته، لان السلطات الأردنية تدرك جيدا ان السوريين وحلفاءهم الإيرانيين قد لا يتناسون بسهولة دور الأردن في تدريب وتسليح المعارضة السورية، ونصائحه المتكررة للرئيس بشار الأسد بالاستقالة ومغادرة البلاد حقنا للدماء في بداية الازمة، الامر الذي قد يترتب عليه اعمال انتقامية بعد انقشاع ضباب الازمة، وانتهاء الحرب، وهذا الاحتمال هو موضع بحث الأجهزة الأمنية الأردنية بشكل مكثف هذه الأيام.

السبب الحقيقي لإغلاق الحدود الأردنية هذه المرة وبشكل محكم في اعتقاد الكثيرين هو الخوف من اندساس خلايا استخبارية سورية مدربة في أوساط اللاجئين والاقدام على عمليات انتقامية تخريبية في مرحلة لاحقة، وليس هناك اكثر براعة من أجهزة المخابرات السورية في هذا الميدان، وتجربة الأردن في الثمانينات الحافلة بالتفجيرات والسيارات المفخخة، كرد على ايوائه لعناصر ورموز الاخوان المسلمين السوريين بعد احداث حماة الدموية، ما زالت عالقة في الذاكرة الأمنية الأردنية بقوة.

القلق الإسرائيلي اكبر بكثير من نظيره الأردني، فكل التهديدات الإسرائيلية التي صدرت عن نتنياهو ووزير حربه افيغدور ليبرمان بمنع وجود أي قوات إيرانية، او تابعة لحزب الله على الأراضي السورية فشلت فشلا ذريعا في تحقيق أهدافها، وبدأت تعطي نتائج عكسية.

فاللافت ان الغارات الجوية والصاروخية الإسرائيلية في العمق السوري لضرب اهداف إيرانية توقفت، او تقلصت بشكل ملموس، خشية اسقاط الطائرات الإسرائيلية المغيرة، وبعد وصول معلومات تفيد بأن ايران ستقوم بالرد فعلا في المرة القادمة، ولهذا فإن التهديدات التي اطلقها اليوم جلعاد اردان، وزير الامن العام الإسرائيلي بضرب أي قوات سورية تقترب من الجانب السوري من الجولان المحتل لم يتم التعاطي معها بغير السخرية والإهمال، لانها لم تعد لها أي قيمة، ولا تخيف أحدا.

اكثر ما تخشاه القيادة الإسرائيلية في الوقت الراهن هو الخبرة القتالية العالية التي اكتسبها الجيش السوري وحلفاؤه، سواء الإيرانيين او عناصر “حزب الله” والفصائل الشيعية الأخرى، التي قاتلت تحت راياتهم، فهناك قاعدة عسكرية معروفة تقول انه بعد ان تنتصر الجيوش في حرب ما يجب اشغالها في حرب أخرى، حتى توظف هذه الخبرة، والاستفادة من دروس الحرب وابعادها عن السياسة، وهذا ما فعله الرئيس العراقي صدام حسين بعد انتهاء الحرب الإيرانية عندما غزت قواته الكويت، وهذا ما فعله الرئيسيان حافظ الأسد ومحمد أنور السادات عندما خاضا حرب عام 1973 بعد هزيمة حزيران المهينة فور اكتمال عملية إعادة بناء جيشي البلدين.

***

الإسرائيليون يريدون تهدئة جبهة قطاع غزة من خلال اتفاق طويل الاجل، للتفرغ لجبهة الشمال الاخطر لانها لا تستطيع دخول الحرب على هاتين الجبهتين معا، وهذا ما يفسر الحديث المكثف هذه الأيام عن “سلام اقتصادي” في القطاع عنوانه الأبرز إقامة مشاريع محطات كهرباء وتحلية مياه، وسوق حرة في رفح المصرية لتخفيف المعاناة الإنسانية لمليونين من سكانه، ورصد مليار دولار للتمويل، وتزاحم الوساطات المصرية والقطرية والألمانية في هذا المضمار.

النقطة الأهم على جدول اعمال مباحثات نتنياهو “المذعور” مع مضيفه الرئيس بوتين الأربعاء المقبل هي تطورات ما بعد قرب انتهاء الازمة السورية، ويصعب علينا التكهن بما يمكن ان تتمخض عنه هذه الزيارات من نتائج، لكن الامر المؤكد وبالقياس الى اللقاءات السابقة، ان نتنياهو قد لا يعود الى تل ابيب وهو في قمة الاطمئنان، والا لما قام بهذه الزيارة أولا، ولان العادة قد جرت ان يتقدم نتنياهو بقائمة من الطلبات، اما بوتين فلا ينفذ الا القليل منها، والا لما وصل الجيش العربي السوري الى الحدود الأردنية بهذه السرعة بعد قصف سجادي روسي لمواقع فصائل المعارضة، رغم وجود اتفاق التهدئة المضمون أمريكا.