جون بولتون يكشف السر للمرة الأولى: الأسد لا يمثل مشكلة استراتيجية لنا وانما ايران.. هل يعني هذا الاعتراف فشل الحرب في سورية والذهاب لتغيير “الرأس″ في طهران؟ خمسة أسباب ترجح هذا الانقلاب.. وفرص نجاحه محدودة

عبد الباري عطوان

من يتمعن في التصريحات الخطيرة التي ادلى بها جون بولتون، مستشار الرئيس دونالد ترامب للامن القومي، التي ادلى بها امس لمحطة تلفزيون CBS يخرج بإنطباع راسخ مفاده ان الحرب الامريكية المقبلة في الشرق الأوسط ستكون في ايران حتما، وفي وقت قريب على الأرجح.

بولتون الذي يعتبر من اكثر صقور الإدارة الامريكية كراهية للاسلام والمسلمين، وانحيازا لإسرائيل واجندتها في المنطقة، كشف في التصريحات نفسها انه لا يعتقد ان الرئيس السوري بشار الأسد يمثل مشكلة استراتيجية بالنسبة الى بلاده، وان المشكلة الاستراتيجية الحقيقية هي ايران”.

الخطر الإيراني بالنسبة لبولتون لا ينحصر فقط في طموحاتها النووية، وتطويرها أسلحة في هذا الصدد، وانما “دعمها الكبير ايضا، والمتواصل للارهاب الدولي، ووجود أذرعها الثورية في منطقة الشرق الأوسط”.

 هذا الكشف غير المسبوق يعني حدوث تغيير جذري في الاستراتيجية الامريكية في الشرق الأوسط عنوانه الأبرز الذهاب الى مركز الخطر بالنسبة الى أمريكا واسرائيل، أي “رأس النظام” في طهران، والتوقف عن شن الحرب للقضاء على وجودها، وحلفائها وقواتها، في الأطراف، أي سورية، ولبنان، وأفغانستان، والعراق، وقطاع غزة.

***

ما يؤكد هذه النظرية عدة تطورات يمكن ايجازها في النقاط التالية:

ـ أولا: تهديد الرئيس ترامب بفرض حصار خانق شرس على ايران يتواضع امامه الحصار المفروض على كوريا الشمالية.

ـ ثانيا: اتصال الرئيس الأمريكي بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز ومطالبته برفع انتاج النفط السعودي الى سقفه الأعلى، أي 12 مليون برميل يوميا، بزيادة مقدارها مليوني برميل، لتعويض أي نقص في أسواق النفط، سواء كان ذلك بسبب شن حرب وشيكة ضد ايران، او ضرب منشآتها وآبارها النفطية، او الاحتمال الأرجح والاسرع الذي قد يتجسد في اغلاق الأبواب بأحكام امام الصادرات النفطية الإيرانية الى الصين والهند وتركيا وفرنسا وإيطاليا واليونان، الزبائن الأكبر لها، لتجفيف الموارد المالية وزيادة معاناة الشعب الإيراني.

ـ ثالثا: اعلان الرئيس ترامب عن نواياه بسحب قواته من سورية، وحث حلفائه في الخليج على ارسال قوات بديلة خاصة في شرق الفرات، تحسبا لتعرضها لهجمات من قبل “الحشد الشعبي”، و”حزب الله العراق”، وحركات عسكرية عراقية أخرى مثل “النجباء”، في حال فرض الحصار او الذهاب الى الحرب.

ـ رابعا: تخلي الولايات المتحدة كليا عن الفصائل السورية المسلحة في جنوب غرب سورية، وإبلاغ قادة هذه الفصائل رسميا من قبل قيادة غرفة “الموك” الامريكية في الأردن انها لن تتدخل لحمايتها من الجيش العربي السوري الذي وصلت وحداته الى ريفي درعا والسويداء لاستعادة السيطرة الكاملة عليهما، وإعادة فتح المعابر الحدودية السورية الأردنية.

ـ خامسا: تمسك الولايات المتحدة بقاعدة التنف على الحدود العراقية السورية والقريبة من الأردن، ومنع أي تواجد لسورية وحلفائها شرق الفرات، لقطع طريق الامداد الإيراني البري الى قوات الحلفاء في العراق وسورية ولبنان.

***

الركن الأساسي في الاستراتيجية الامريكية تتلخص مقدماته في انطباع راسخ لدى واضعيه بأنه اذا نجحت الضغوط العسكرية او الاقتصادية، او الاثنان معا في تغيير النظام في طهران، فإن عملية تغيير النظام في سورية وربما العراق أيضا، والقضاء على اذرع ايران العسكرية، وخاصة “حزب الله” في لبنان، ستكون اكثر سهولة ويسرا، وتحصيل حاصل.

نظريا، او على الورق، تنطوي هذه الاستراتيجية على بعض الصحة، بالنظر الى قوة أمريكا كدولة عظمى مدعومة بإسرائيل وبعض العرب، ولكن عندما يتم تطبيقها عمليا، ربما تكون النتائج كارثية على أصحابها، فايران اليوم ليست عراق عام 2003، ليس لأنها اقوى، وانما أيضا لأنها جزء من منظومة إقليمية ودولية لا يجب التقليل من أهميتها وصلابتها.

العراق في عامي 1991 و2003 كان محاصرا عربيا وامريكيا واوربيا، وحليفه الروسي المفترض، تمر بلاده بمرحلة انتقالية عنوانها الفوضى والتبعية السياسية والاقتصادية للغرب، ولذلك كان حصار العراق وتدميره ومن ثم غزوه واحتلاله عملية ليست صعبة، لكن الوضع الحالي في ايران مختلف جذريا.

نتنياهو هو الذي وضع هذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة، أي إعطاء الأولوية لتغيير النظام في طهران، تماما مثل استاذه برنارد لويس، وعملاء إسرائيل من اليهود في إدارة جورج بوش الابن، مثل بول وولفوفيتز، وريتشارد بيرل، الذين هندسو خطة غزو العراق واحتلاله، ولكن الفرق يكمن في ان مئات آلاف الصواريخ التي تزدحم بها ترسانات أسلحة ايران وسورية و”حزب الله” وحركة “حماس″ ستهطل مثل المطر فوق رؤوس الإسرائيليين، وحلفاء أمريكا وقواعدها في منطقة الخليج العربي.

ربما يكون بولتون وحلفاؤه من المحافظين الجدد نجحوا في تدمير العراق واحتلاله، ولكننا لا نعتقد ان النجاح سيكون حليفهم في ايران في المرة المقبلة، وسيكون الثمن الذي سيدفعونه وحلفاؤهم باهظا جدا.

اعترف انني عندما شاركت مع بولتون في برنامج تلفزيوني على شاشة الـ BBC الإنجليزية العامة قبل شهر من العدوان على العراق كان الصواب حليفه عندما قال لي انتظر وسترى النتائج الصادمة لك، ولكن المقاومة العراقية لم تخذلني مطلقا، ولقنت الامريكان درسا قاسيا، ولا اتحدث عن تمنيات، وانما وقائع أيضا.. ويشرفنا دائما ان نكون في الخندق المواجه للعدوان الأمريكي والإسرائيلي.. والأيام بيننا.