ما مدى صحة ما يشاع عن “عزلة” عباس وتطورات ازمته الصحية؟ وهل سيتمكن من تلبية دعوة بوتين لزيارة موسكو ولقاء نتنياهو في اطار “دبلوماسية كأس العالم” التي يخطط لإطلاقها؟ ولماذا يتصاعد الحديث عن “مقايضة” روسية أمريكية عنوانها سورية مقابل تسهيل “صفقة القرن”؟

عبد الباري عطوان

يصعب علينا الجزم عما اذا كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس سيتمكن من تلبية دعوة نظيره الروسي فلاديمير بوتين لحضور المباراة النهائية لكأس العالم في موسكو منتصف شهر تموز (يوليو) المقبل، فالأنباء المتواترة من رام الله حول صحته، ليست مطمئنة على الاطلاق.

الأوساط المقربة من الرئيس عباس متكتمة جدا في تسريب أي معلومات عن وضعه الصحي، بتعليمات صريحة وواضحة من قبل الاجهزة الأمنية، والرئيس نفسه، وابنائه الذين يحيطون به، ويتحكمون بجدول اعمال تحركاته، ويحددون زواره وفترات اللقاء معه، ومدتها، حسب ما كشفته لنا مصادر وثيقة، وأكدت ان التقارير التي اشارت الى انه مريض ومتعب، ولا يزور مكتبه الا لساعات معدودة جدا في المساء، ويجري فحوصات دورية في احد مستشفيات رام الله، وبمعدل مرتين أسبوعيا، اقرب الى الدقة.

في المقابل تعكف “القيادة المصغرة” لحركة “فتح” على عقد اجتماعات مكثفة لعناصرها البارزة والمتنافسة في صراع الوراثة، لمتابعة تطورات “صفقة القرن” وما يتصل بها من جولات واتصالات، خاصة تلك التي يقوم بها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي، ومساعده جيسون غرينبلات في المنطقة العربية، وزيارة مسؤولين عرب الى واشنطن وآخرهم العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، والتسريبات المتعلقة بمشاريع “السلام الاقتصادي” التي يقال انها تشمل استثمار مليار دولار لإقامة محطات كهرباء، وتحلية مياه، وميناء في رفح المصرية الملاصقة لقطاع غزة التي من المتوقع ان تتحول الى منطقة اقتصادية حرة تخفف من معاناة أبناء القطاع “الإنسانية”، وتكون نواة لـ”مشيخة” فلسطينية مستقلة في القطاع على حد وصف احد أعضاء اللجنة المركزية لحركة “فتح”.

***

الرئيس عباس لم يغادر مدينة رام الله منذ ازمته الصحية الأخيرة التي شهدت تدهورا غير مسبوق، ابتداء من التهاب رئوي (وهو مدخن شرس)، وأزمة قلبية حادة بذل الأطباء المختصين جهودا كبيرة على مدى 24 ساعة للسيطرة عليها، ومعظم الفريق الطبي كانوا من الأطباء الفلسطينيين الذين تعلموا في أوروبا وامريكا، وكان من المفترض ان يقوم بجولة عربية تشمل مصر والأردن والمملكة العربية السعودية لمعرفة ما لدى هذه الدول من معلومات حول “الصفقة”، والتعرف على مواقفهم تجاهها، ولكنه الغاها لسببين: الأول انه لم يجد حماسا لدى بعض هذه العواصم بسبب مقاطعته الصارمة لأي لقاءات مع مسؤولين أمريكيين منذ اعترافهم بالقدس المحتلة عاصمة لدول الاحتلال، والثاني تجنبا لأي تدهور في صحته بناء على نصيحة الأطباء الذين يتابعون فحوصاته.

امر مؤلم ان تعيش قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، والشعب الفلسطيني حالة شلل سياسي، وعزلة إقليمية ودولية، والبعد كليا عن دائرة الفعل، في مثل هذا الوقت الحساس والخطير الذي تتعاظم فيه مؤامرات التصفية للقضية الفلسطينية، ووفق الخطوط العريضة التي وضعها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، بسبب مرض الرئيس وتركز كل الصلاحيات بين يديه، وما يزيد الإحباط سوءا حالة الانقسام الفلسطيني الحالية، واستغلال المثلث العربي الإسرائيلي الأمريكي البشع لها.

كان لافتا تصاعد الحديث ان إدارة الرئيس ترامب مستعدة لتقديم تنازلات كبرى في ملفات إقليمية مثل الملف السوري لصالح الاعتراف بالنفوذ الروسي مقابل اقدام الرئيس بوتين على مقايضة في هذا الخصوص، تقول عناوينها بتخلي الإدارة الامريكية عن الفصائل السورية المسلحة كل سورية والانسحاب منها، واطلاق يد موسكو وحلفائها لاستعادة السيادة السورية على محافظات درعا والقنيطرة وريف السويداء، وإعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، مقابل تسهيل تطبيق “صفقة القرن”.

دبلوماسية “كأس العالم” التي يقودها الرئيس بوتين، وجوهر بنودها محاولة انهاء القطيعة بين الرئيس عباس ونتنياهو، وجمعهما على مائدة المفاوضات مجددا تحت المظلة الروسية، ربما تبدأ عجلتها في الدوران في الأيام القليلة المقبلة، خاصة ان احد ابرز مهندسيها من الجانب الأمريكي جون بولتون، مستشار الامن القومي، واحد اكثر صقور الإدارة الحالية شراسة في تأييد نتنياهو ومخططاته في انهاء القضية الفلسطينية.

لقاء عباس نتنياهو اذا ما تم في موسكو سيكون اهم الأوراق التي يحملها بوتين الى لقاء القمة، الذي رتبه أيضا بولتون، بينه وبين الرئيس دونالد ترامب في هلسنكي في الفترة نفسها، وقد يتم خلالها تحت ملفات أخرى موضع خلاف بين القوتين العظميين مثل كوريا الشمالية، وأوكرانيا، والحرب في سورية، والاتفاق النووي الإيراني طبعا.

موقف الرئيس عباس في مقاطعة أي لقاءات، او استقبال أي مكالمات هاتفية من المسؤولين الامريكان حول صفقة القرن التي يعتبرها اكبر خطر يهدد القضية الفلسطينية وهو موقف صامد حتى الآن فاجأ الكثيرين ونحن من بينهم، ولكن السؤال هو حتى متى ستصمد هذه المقاطعة، والاهم من ذلك حتى متى تصمد حالة التعافي الحالية في صحته، ومدى تمسك المتصارعين على خلافته بها في حال حدوث أي طارىء لا سمح الله، ونحن معلم جيدا ان من بينهم من يعارضها، ويريد استئناف الاتصالات مع واشنطن من منظور “الواقعية”، وبحجة الوجود في قلب الحدث لمعرفة ما يتم طبخه، وهي النغمة الانهزامية التي بدأت تتكرس منذ بدء مفاوضات أوسلو السرية.

***

نتمنى للرئيس عباس امرين: الأول الصمود في التمسك بهذا الموقف المقاطع لامريكا الا اذا تراجعت عن تأييدها لضم القدس رغم شكوكنا العديدة، والثاني ان يستمر تعافيه، ويستعيد كامل صحته، للانطلاق منه، أي المقاطعة، الى المرحلة الأهم وهي مواجهة هذا الخطر، وان كان املنا ضعيفا في هذا المضار أيضا، ولكن لا بأس على طريقة تفائلو بالخير تجدوه”.

رهاننا الحقيقي يظل على الشعب الفلسطيني الذي يعتبر الضمان الوحيد بالنسبة الينا والملايين مثلنا، لإحباط كل هذه المخططات، والتصدي لكل الذين يقفون خلفها، سواء امريكان كانوا ام عربا ام إسرائيليين، فهذا الشعب لم يخيب ظننا مطلقا ورصيده الهائل في المقاومة والتضحية الذي تراكم على مدى مئة عام يشهد له.

هذه الصفقة لا يجب ان تمر، ويجب فضح كل المتورطين فيها، والمروجين لها، والمتواطئين في مخطط تمريرها وتمويلها، فخي اخطر من وعد بلفور، وسايكس بيكو، ونكبة عام 1948، لانها، وباختصار شديد، نهاية القضية الفلسطينية وبدء العصر الإسرائيلي اليهودي.