من حق الاشقاء المغاربة ان يغضبوا لخيانة “عرب أمريكا” لهم في قرعة كأس العالم.. ويكفيهم شرفا ان احرار العالم تقف في خندقهم.. وشكرا من القلب لـ13 دولة عربية تتزعمها الجزائر التي تسامت على خلافاتها وقالت “لا” كبيرة جدا لترامب وتهديداته الابتزازية

عبد الباري عطوان

كان امرا صادما ومعيبا تصويت سبع دول عربية لصالح ملف الولايات المتحدة الثلاثي لتنظيم مسابقة نهائيات كأس العالم الكروية عام 2026، اثناء اجتماع للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي عُقد في موسكو يوم امس.

انها طعنة غادرة مسمومة في الظهر، فعندما يكون الخيار بين المغرب، الدول العربية المسلمة، وبين الولايات المتحدة الامريكية، التي تدعم الاحتلال الإسرائيلي للمقدسات وجرائمه في حق الشعب الفلسطيني، فان الاصطفاف الى جانب المغرب، والوقوف في خندقها، يجب ان يكون هو الخيار الأمثل والصحيح، ودون أي نقاش.

المغرب خسر بشرف وكرامة امام خصم شرس وغير أخلاقي، هدد باستخدام سلاح المقاطعة، ووقف المساعدات المالية لكل دولة لا تصوت لصالحه، وكسب أصوات الاحرار في 67 دولة قالت “لا” بقوة لهذا الإرهاب الابتزازي الامريكي، مثلما كسب أيضا مئات الملايين من الشعوب العربية والإسلامية وفي العالم الثالث ومعظم الشرفاء والاحرار في القارات الخمس.

من حق الاشقاء المغاربة ان يغضبوا لان الخذلان جاء من حكومات دول اعتقدوا انها شقيقة، فتحوا قلوبهم وبلدهم على مصراعها امام شعوبها، وساندوها وقضاياها في الأيام الصعبة، وما زالوا، خاصة تلك التي جاهرت بخطيئتها، مثل المملكة العربية السعودية، وروجت للملف الثلاثي الأمريكي الكندي المكسيكي، وحشدت الأصوات لصالحه.

***

يصعب علينا ان نفهم مواقف حكومات خانت المغرب، وتخندقت في خندق دونالد ترامب، مثل العراق الذي عانى شعبه من غزو، ومن ثم احتلال امريكي، سبقه حصار ظالم أدى الى استشهاد اكثر من مليون انسان، معظمهم من الأطفال جوعا ومرضا، او لبنان الذي يشارك “حزب الله” ويرفع رايات المقاومة ضد الاحتلال، وعانى ويعاني من مجازر إسرائيل المدعومة أمريكيا، او حتى البحرين التي ترفع راية العروبة وتصرخ من “مؤامرة” إيرانية فارسية، ولا يمكن ان ننسى دولة الامارات وارث الشيخ زايد، الرجل العروبي الأصيل، الذي وقف دائما الى جانب الاشقاء العرب والوحدة العربية، واطلق صرخته المشهورة، “النفط لا يمكن ان يكون اغلى من الدم العربي” اثناء حرب الكرامة والشرف ضد العدو الإسرائيلي عام 1073، وبادر فورا بقطع النفط عن أمريكا تضامنا.

هناك من يجادل بأن الامارات والسعودية ربما صوتتا ضد المغرب لانها أرسلت معونات غذائية الى دولة قطر بعد فرض الحصار عليها، او بسبب وعود قطرية “سرية” بتقديم مساعدات مالية تمكنّ المغرب من تغطية نفقات تنظيم كأس العالم في حال فوزه، ولكنه جدل مرفوض، لأننا لا نعتقد ان الازمة الخليجية ستستمر حتى عام 2026 أولا، وما العيب ان تقدم دولة عربية مساعدات لاخرى شقيقه جرى فرض الحصار عليها فجأة.. خاصة انها لم تقدم لها طائرات حربية او صواريخ او غواصات، وانما شحنات رمزية من الغلال وعلب السردين المعلب، وبعض الزيوت.

يزداد طعم المرارة في حلقنا ونحن نشاهد الأردن الذي خرج للتو من ازمة احتجاجات شعبية تطالب برغيف خبز مجبول بالكرامة، يصوت لصالح الولايات المتحدة التي نقلت سفارتها الى القدس المحتلة، واعترفت بها عاصمة ابدية لدولة الاحتلال، وتسقط الوصاية الهاشمية عن مقدساتها العربية والإسلامية، وتستعد حاليا لرفع الستار عن صفقة القرن التي ستشكل تصفية للقضية العربية الفلسطينية، لماذا يا أُردن؟

عزاؤنا ان 13 دولة عربية تتزعمها الجزائر التي ترفعت عن خلافاتها مع المغرب، وقدمت مثلا مشرفا في الاخلاق الإسلامية والعربية، واواصر حسن الجوار عندما أعلنت منذ اليوم الأول انها ستعطي صوتها للمغرب الشقيق دون تردد.

نقول شكرا من أعماق قلوبنا، في هذا اليوم الأخير من شهر رمضان المبارك، شهر التضحية والفداء، والتضامن مع المظلومين، نقول شكرا لمصر وسورية واليمن والسودان وسلطنة عمان والصومال وجيبوتي وقطر وموريتانيا وتونس وليبيا، وأخيرا فلسطين.. شكرا لها لانها لم تساوم مطلقا على عروبتها وعقيدتها الإسلامية، وقالت “لا” كبيرة للابتزاز الإرهابي الأمريكي، وانحازت لإرثها العظيم من الكرامة وعزة النفس والوطنية، وصوتت للمغرب الشقيق، ولم تفكر مطلقا بالثمن الذي يمكن ان تدفعه نتيجة لذلك.

الدول التي صوتت للملف الأمريكي يجب ان تنكس اعلامها خجلا، فقد الحقت ضررا غير مسبوق بالتضامن العربي، وقدمت “هدية” لا تقدر بثمن للجماعات العنصرية المتطرفة المعادية للعرب والتعايش في اقطار الاتحاد المغاربي، وعلى رأسها المغرب.

لا نعرف كيف تشعر هذه الدول “العربية” وهي ترى دولا مثل جنوب افريقيا او البرازيل او فرنسا او بلجيكا، والعديد من الدول الافريقية تقف في خندق المغرب، بينما هي تقف في خندق أمريكا، وماذا ستقول للشعب

المغربي الطيب الأصيل المضياف تبريرا لموقفها المخجل هذا، بل ماذا ستقول لشعوبها التي لا يخامرنا ادنى شك بتمسكها بالثوابت الوطنية العربية والإسلامية.

***

ختاما نتمنى على الاشقاء في المغرب، ان لا يعاملوا المرتدين المتخاذلين بالمثل، وان يترفعوا بأخلاقهم، وارثهم الحضاري الإسلامي والعربي عن الصغائر، وان يثقوا دائما بأن مئات الملايين من الشرفاء، عربا، وأفارقة، وآسيويين، ولاتينيين، وحتى أوروبيين، يقفون في خندقهم، ونحن في هذه الصحيفة من بينهم، ويكفيهم ان الاشقاء المرابطين في القدس والأراضي المحتلة اكثر غضبا منهم على هؤلاء الذين يَدَعُون العروبة والإسلام انتماءا وهوية.

نأمل ان يأتي الرد على هذا الخذلان من عقول واقدام المنتخب المغربي في دورة موسكو الذي سنقف خلفه مشجعين مثل كل الفرق العربية الأخرى الشقيقة السعودية والمصرية والتونسية.. عيدكم مبارك، وكل عام وانتم جميعا بألف ألف خير.