المباراة السياسية بين الرئيس بوتين وضيفه السعودي الأمير بن سلمان ستكون اكثر أهمية من نظيرتها الكروية في كأس العالم.. والأمير السعودي الضيف لن يصافح خصمه القطري الذي سيجلس على بعد اقدام محدودة منه.. لكن صفقة صواريخ “اس 400″ والازمة الخليجية ستكون حاضرة بقوة.. واليكم قراءتنا غير الكروية للحدث الأهم عالميا ومفارقاته السياسية

عبد الباري عطوان

الامر المؤكد ان جدول اعمال الزيارة التي سيقوم بها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي لموسكو سيكون مزدحما، ولن يقتصر على حضور المباراة الافتتاحية التي ستقام بين منتخب بلاده ونظيره الروسي بحضور الرئيس الروسي المضيف فلاديمير بوتين، وعدد كبير من الزعماء المدعوين من مختلف انحاء العالم، وسيكون من بينهم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، امير قطر الوالد الذي سيمثل بلاده في الاحتفالات.

من المستبعد ان نرى مصافحة بين ولي العهد السعودي والأمير القطري السابق، الذي يقف خلف فوز بلاده بشرف تنظيم تصفيات كأس العالم المقبلة عام 2022، وهو الفوز الذي يشكل احد ابرز الاسباب غير المباشرة، وغير المتوقعة، للازمة الخليجية الحالية بين بلاده والدول الأربع المقاطعة لها بزعامة السعودية، لكن هذه الازمة ستكون احد القضايا الرئيسية على مائدة اللقاء بين الأمير السعودي الشاب والرئيس الروسي في الغرف المغلقة على هامش الاحتفال، بطريقة او بأخرى.

***

نشرح اكثر ونقول ان هناك ثلاثة محاور رئيسية على جدول اعمال المباحثات لا يمكن تجاهلها بأي شكل من الاشكال حيث ستكون قطر حاضرة في اثنتين منها، بصفة مباشرة او غير مباشرة:

ـ الأولى: بحث تجديد الاتفاق النفطي الذي جرى التوصل اليه مطلع عام 2017 وينتهي في كانون الأول (ديسمبر) الحالي، وينص على تخفيض الإنتاج النفطي لكل من منظمة “اوبك” وروسيا بمعدل 1.8 مليون برميل يوميا وهو الاتفاق الذي أدى الى وقف تدهور الأسعار، وبدء عودتها الى الارتفاع، وهناك من يقول ان روسيا لن تجدد هذا الاتفاق مجانا ودون مقابل.

ـ الثاني: بحث صفقة صواريخ “اس 400″ التي تفاوض الأمير محمد بن سلمان مع روسيا على شرائها اثناء زيارته السابقة لموسكو بحكم كونه وزيرا للدفاع في بلاده، وتردد ان الإدارة الامريكية نجحت في الغائها بعد ممارستها ضغوطا كبيرة على المملكة.

ـ الثالث: تحذير المملكة العربية السعودية لروسيا بعدم بيع هذه الصواريخ المتطورة لدولة قطر عبر فرنسا، حسب ما قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، التي نشرت هذا التحذير الذي ارسل الى الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون وتضمن أيضا تهديدا سعوديا بقصف هذه الصواريخ في قواعدها القطرية في حال حدوث التسليم فعلا، لانها تشكل خطرا مباشرا على الامن القومي السعودي.

العقيد قسطنطيني سيفكوف، رئيس اكاديمية علوم الصواريخ والمدفعية الروسي فاجأ الكثيرين ونحن من بينهم، عندما كشف في مقابلة مع برنامج “قصارى القول” الذي يقدمه الزميل سلام مسافر عبر قناة “روسيا اليوم” الحكومية الروسية “ان المملكة العربية السعودية رضخت للضغوط الامريكية، وتخلت عن شراء منظومة صواريخ “اس 400″.

العقيد سيفكوف اكد أيضا في المقابلة نفسها ان تركيا تعرضت لضغوط أمريكية مماثلة، لكن الرئيس رجب طيب اردوغان رفض الخضوع لها، وقرر المضي قدما في الحصول عليها، اما فيما يتعلق بالطلب القطري لشرائها، فأكد ان روسيا ستوافق على بيع كتيبة واحدة من هذه الصواريخ فقط بسبب صغر مساحة قطر، “لان اكثر من كتيبة يعني دخول مساحات واسعة من الأراضي السعودية ضمن نطاق تلك الصواريخ الامر الذي يهدد الملاحة الجوية بين البلدين كون المملكة لديها قواعد جوية ستقع ضمن نطاق المنظومة القطرية من هذه الصواريخ”.

ما يمكن استخلاصه من اقوال العقيد سيفكوف ان الرئيس بوتين الذي يوصف بالدهاء في نظر خصومه وحلفائه معا، قد يستخدم “الورقة القطرية”، هذه بفاعلية اثناء مباحثاته مع ضيفه السعودي، ويحاول تسجيل اكثر من هدف سياسي في مرماه بالتوازي مع الأهداف المحتملة التي قد يسجلها هدافوا فريقه الكروي في المباراة الافتتاحية ضد المنتخب السعودي.

القيادة السعودية ارادت شراء منظومة الصواريخ الروسية المتطورة جدا بعد ادراكها فشل الصواريخ الامريكية من طراز “باتريوت” في التصدي بكفاءة عالية للصواريخ الباليستية الحوثية التي وصلت الى العاصمة السعودية الرياض والمطار الدولي فيها الى جانب مطارات مدنية وعسكرية أخرى في جدة والطائف وابها وجازان وخميس كشيط.

التقارير العسكرية الموثقة تؤكد ان حركة انصار الله الحوثية اطلقت اكثر من 120 صاروخا باليستيا على اهداف سعودية، جرى اطلاق اكثر من 500 صاروخ من نوع “باتريوت” للتصدي لها، كلفة كل صاروخ تصل الى سبعة ملايين دولار، وهو مبلغ مكلف جدا، بالنظر الى صواريخ “اس 400″ الروسية التي تعتبر اقل كلفة واكثر فاعلية، وتستطيع التصدي لهذه الصواريخ فور اطلاقها على بعد 300 كيلومتر، واسقاطها حتى قبل دخولها الأجواء السعودية في بعض الحالات، ولهذا السبب مضت تركيا قدما في شرائها ضاربة عرض الحائط بالضغوط الامريكية، وتحذيرات حلف “الناتو”.

أمريكا هددت تركيا بوقف بيعها طائرات الشبح من طراز “اف 35″ التي لم تحصل عليها الا دولة واحدة غير سلاح الجو الأمريكي، وهي إسرائيل، ولكن الرئيس اردوغان لم ترهبه هذه التهديدات، ورد عليها بإظهار عزمه شراء طائرة سوخوي الروسية من طراز “سو 57″ التي تضاهيها قوة وفاعلية.

***

الشق السياسي والاستراتيجي لزيارة الأمير بن سلمان لموسكو سيكون اكثر أهمية من شقها الكروي، مع تمنياتنا بفوز المنتخب السعودي غدا، وسينعكس بصورة اكثر وضوحا في الأهداف التي سيحاول الرئيس الروسي طرحها في غرفة الاجتماعات المغلقة مع الضيف السعودي، والحاكم الفعلي للمملكة، وهو بلا شك هدّاف اثبت براعته في اكثر من ملعب، سواء في سورية او أوكرانيا، ناهيك عن ملعب “أوبك” النفطي.

منظومة صواريخ “اس 400″ هي احد العناوين الدفاعية الأبرز، وستكون صفقاتها السعودية والقطرية والتركية، وربما الإيرانية مستقبلا هي الأوراق الروسية الأهم في معادلات القوة في منطقة “الشرق الأوسط” في المرحلة المقبلة.. والأيام بيننا.