الخوف من الأردن وليس الخوف عليه وراء انعقاد قمة مكة الرباعية.. ستة أسباب تقف خلف هذا الانقلاب في الموقف السعودي الخليجي.. والعاهل الأردني في الموقف الأقوى منذ توليه العرش قبل 20 عاما لماذا؟

عبد الباري عطوان

فجأة.. وبعد سنوات عجاف من التهميش السياسي والاستهداف المالي، والضغوط الإقليمية والدولية الجبارة وغير المحتملة، تحول الأردن الى الرقم الصعب الأهم في المنطقة، يركض مهمشينه لمغازلته، وتفهم ازماته، والاعراب عن الاستعداد لالقاء طوق النجاة المالي له.. كيف حدث هذا الانقلاب.. وكيف تغيرت المواقف من النقيض الى النقيض، واصبح الأردن عزيزا غاليا؟ الإجابة يمكن حصرها في ستة أسباب:

ـ الأول: الرعب من انتقال عدوى النموذج الاحتجاجي الأردني الشعبي الحضاري السلمي الذي جاء نسخة “منقحة” و”تصحيحية” لثورات الربيع العربي الى السعودية والدول الملكية في الجزيرة العربية، وهو انتقال وارد بشدة في ظل انهيار “الدولة الريعية”، وانخفاض أسعار النفط، وتصاعد التوتر الطائفي، وتصاعد المعاناة الشعبية من الضرائب العلنية والسرية.

ـ الثاني: القلق من تطوير الأردن سياسات الاعتماد على النفس اقتصاديا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي ماليا، وتبني مشاريع “استغنائية” عن مساعدات دول الخليج المالية، والسعودية والامارات خاصة، الامر الذي سيعزز استقلالية قراره السياسي وانهاء مظاهر “التبعية” القديمة.

ـ الثالث: انهيار النظام الاردني يعني نهاية حقبة امتدت لمئة عام تقريبا، عنوانها الاستقرار الإقليمي، حلول الفوضى على طول 600 كيلومتر على الحدود مع إسرائيل، واطول منها مع الجزيرة العربية، واحتمال صعود بدائل ثورية، فالاردن هو “سرة” “الشرق الأوسط”، واذا انقطعت “حبال” استقرارها امتد الخراب الى المنطقة.

ـ الرابع: أدت السياسات الخليجية في وقف المساعدات المالية عن الأردن لمدة عامين تقريبا، وانخراط السعودية ودول خليجية أخرى في عمليات تطبيع سرية مع إسرائيل تتجاوز الاردن، وتسريب تقارير عن تأييد ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان لصفقة القرن، ادت الى تصعيد حالة العداء في أوساط الرأي العام الأردني لهذه الدول، وبشكل غير مسبوق منذ حرب الكويت عام 1991.

ـ الخامس: تزايد الضغوط على القيادة الأردنية لتغيير تموضعها الإقليمي الاستراتيجي، والانتقال الى معسكر المقاومة بزعامة ايران، وفتح المزارات الشيعية امام الزوار الإيرانيين والعراقيين، وإقامة علاقات استراتيجية بديلة مع المرجعية السنية العثمانية في إسطنبول، في موازاة الانفتاح على قطر العدو اللدود للمثلث السعودي الاماراتي البحريني.

ـ السادس: الخشية من خروج الحراك الاحتجاجي الأردني من طابعه الاقتصادي، وتحوله الى حراك سياسي بطابع اجتماعي مدني، وقد ادرك العاهل الاردني خطورة مثل هذه النقلة، وبادر فورا الى “اجهاضها” من خلال اقالة حكومة هاني الملقي، واستبدالها بحكومة اكثر قبولا من قبل المجتمع المدني الأردني بقيادة الدكتور عمر الرزاز، الذي يوصف بالنزاهة ونظافة اليد، والعمق الاكاديمي والخبرة الإدارية.

***

العاهل الأردني، وربما للمرة الأولى منذ توليه العرش خلفا لوالده الراحل عام 1999، يذهب الى الحجاز ومدينة مكة المكرمة درتها من موقع قوي مدعوما بإرادة شعبية وبإدارة متميزة للازمة نجحت في امتصاص الجزء الأكبر من احتقان داخلي كان من الممكن ان يؤدي انفجاره على المنطقة بأسرها.

الأردن يعيش حاليا حالة من الصحوة السياسية والاجتماعية، ترتكز على وحدة وطنية ذابت في مصهرها كل المنابت والاعراق، الفلسطيني والشرق الاردني، والشمال والجنوب وبينهما الوسط، بيضة القبان، أي العاصمة عمان، وهذه وحدة وطنية غير مسبوقة، عمودها الفقري محاربة الفساد والفاسدين، والوقوف في خندق القضايا العربية الوطنية، وعلى رأسها قضية فلسطين.

القيادة السعودية الجديدة ارادت ان يكون الأردن ضعيفا تابعا متسولا، يلتزم بشروط الكفيل، ويرضخ لعضلاته المالية، واملاءاته بالتالي، ولهذا انتظرت اكثر من عشرة أيام قبل ان تتحرك لإنقاذه، او حتى التفكير في محاولة الإنقاذ هذه، وربما كانت تنتظر ان تصرخ القيادة الأردنية “مستغيثة” راضخة للشروط المطلوبة، ولكن هذه القيادة لم تذهب الى الرياض، ولا الى ابو ظبي، وظلت في مكانها راسخة، (الحجر في مطرحه قنطار)، وفضلت التنازل للشعب ومطالبه، وقد احسنت الخيار والتوجه.

نكتب هذه المقالة قبل انعقاد قمة مكة الرباعية التي دعا الى عقدها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز على عجل قبل يومين فقط، ولكنه لا يصعب علينا التكهن بنتائجها، وعنوانها الأبرز تقديم مساعدات مالية للاردن، وربما احياء حزمة الخمسة مليارات دولار التي انتهت مدتها قبل عام، ودون التزام معظم الدول الخليجية الموقعة ببنودها، وبشروط سياسية اكثر مرونة، ولكنها تظل حزمة متواضعة تجاوزتها الاحداث.

دول الخليج ضخت 50 مليار دولار لدعم حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر، لتطويق أثار الثورة المصرية، ومنع انتقالها الى دول الخليج، ولم تقدم للاردن الا فتات الفتات لانها كانت مطمئنة لفشل حراكه الشعبي المماثل، وقدرة الدولة على امتصاصه “مجانا”، في سوء تقدير غير متوقع، وقراءة “حولاء” للخريطة الإقليمية الجديدة، ومخاضاتها الشعبية، فجاء الحراك الحالي الذي أطاح بحكومة ليخلط الاوراق، ويكشف الغطاء، ويفرض شروطه، ويطور أدوات اكثر فاعلية، فهل سيحصل الأردن على نصف ما حصلت عليه مصر على الأقل؟

***

 لا نملك إجابات فالقمة الرباعية لم تعقد بعد مثلما قلنا آنفا، ولكننا نتوقع، او بالأحرى نأمل، ان يعود العاهل الأردني الى عمان وجعبته مليئة بالمليارات، وبما يعفي حكومته الجديدة، التي ما زالت في طور الولادة، من الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي المهينة وغير الإنسانية.

الأردن يتغير وبسرعة، وبات في وضع يؤهله للتمرد على ارث الاملاءات الامريكية والإسرائيلية وحلفاء جاريد كوشنر، صهر الرئيس ترامب، وتابعه نتنياهو في منطقة الخليج، املاءات فرض صفقة القرن، وتهويد القدس ونزع الوصاية الهاشمية كليا عن المقدسات.

توقف المساعدات الخليجية جاء في اعتقادنا خيرا للاردن، لأنه أعاد الوعي والثقة بالنفس الى الاردنيين شعبا وقيادة، وقد أصاب الملك عبد الله الثاني كبد الحقيقة في خطابه تجاوبا مع مطالب المحتجين بقوله “لا بد من الاعتماد على النفس.. لن يساعدنا احد اذا لم نساعد انفسنا.. ولا بد من الاعتماد على انفسنا أولا وأخيرا”، وربما كانت هذه العبارات كلمة السر التي عجلت بالدعوة لانعقاد قمة مكة.

الأردن لن يقبل، ولا يجب ان يقبل، الا بالخبز المجبول بالكرامة، فقد اكتشف شارعه اهم مصادر قوته، وسيمضي قدما في تطويرها في اطار وحدة وطنية تزداد ترسخا.. وهذا ملخص رسالته، أي الشعب، لقمة مكة التي تعقد تحت ظلال الكعبة المشرفة، وارث الدعوة المحمدية الإسلامية الهاشمية التي جاءت رحمة للعالمين.