هل الخلاف الروسي الإيراني على الارض السورية حقيقي ام مبالغ فيه؟ ولماذا يتصاعد الآن مع اقتراب فتح جبهة درعا والقنيطرة لإعادة فتح الحدود مع الأردن؟ ومنّ خدع منّ.. الروس ام الإسرائيليون؟

عبد الباري عطوان

مع تزايد التقارير الإخبارية التي تؤكد اكتمال استعدادات الجيش العربي السوري للزحف باتجاه الجنوب لاستعادة القنيطرة ودرعا، وإعادة فتح معبر نصيب الحدودي مع الأردن، يعود الحديث مجددا، وبقوة اكبر هذه الأيام، عن انسحاب القوات الإيرانية من المنطقة استجابة لشروط إسرائيلية، ومعها قوات تابعة لـ”حزب الله” اللبناني، ووجود خلاف إيراني روسي حول وجود الأولى، أي ايران، على الاراضي السورية وضرورة انهائه جذريا.

في تقديرنا ان تصاعد الحديث عن هذا الخلاف مبالغ فيه، وربما تأتي تسريباته متعمدة، لعدة أسباب ابرزها انه من السابق لأوانه الحديث عن هذه المسألة، لان الحرب على الأراضي السورية ما زالت مشتعلة، والظروف التي أدت الى التواجد العسكري الإيراني فيها سواء كان على مستوى الخبراء، او الوحدات العسكرية ما زالت على حالها، ولم يطرأ عليها أي تغيير.

***

الإيرانيون ليست لديهم مشكلة لسحب قواتهم او خبرائهم من الأراضي السورية لانهم لم يكونوا يتواجدون فيها من الاساس، ودخولها وقوات “حزب الله” اليها لم يتم بإذن إسرائيلي او روسي، وانما لحماية حليف استراتيجي كان يواجه خطر الهزيمة وسقوط نظامه على ايدي جماعات مسلحة مدعومة أمريكيا وخليجيا نجحت في السيطرة على اكثر من 70 بالمئة من الأراضي السورية، واقامت عليها امارات اسلامية متعددة الولاءات والانتماءات.

اذا عدنا الى قصة الخلافات الروسية الايرانية نجد لزاما علينا التذكير بأن هناك شراكة استراتيجية بين الجانبين بدأت قبل الازمة السورية بسنوات، واذا كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اطلق الجدل حول هذا الخلاف بتصريحات ادلى بها بعد لقائه الأخير مع الرئيس بشار الأسد في سوتشي في 17 أيار (مايو) الماضي، فانه كان يقصد القوات الامريكية، بمطالبته انسحاب جميع القوات الأجنبية عن الأراضي السورية، ومن غير المنطقي ان يستثني القوات الإيرانية التي دخلتها بطلب من الحكومة السورية مثلها مثل القوات الروسية.

مضافا الى ذلك ان الرئيس الروسي ربط بين هذا الانسحاب وانطلاق العملية السياسية في سورية، وهذه العملية لم تنطلق بعد، وحتى لو انطلقت، فان اكثر من عشرين في المئة من الأراضي السورية ما زالت خارج سيطرة الجيش السوري.

يخطئ الكثيرون عندما ينظرون الى ايران كخصم لروسيا في المنطقة، وربما تختلف المصالح، وهذا امر منطقي ومتوقع بين الحلفاء، ولكن لا تصل الأمور الى مرحلة الصدام التي تشكل “أحلام يقظة”، او تمنيات، بالنسبة للكثيرين الذين عجزوا عن تحقيق أهدافهم في سورية وخسروا المليارات (أمريكا خسرت 70 مليارا باعتراف ترامب) في هذا الاطار.

***

الرئيس بوتين ما كان يمكن ان يحقق إنجازاته على الأراضي السورية بدون التواجد الإيراني واذرعه العسكرية الحليفة، وعلى رأسها قوات “حزب الله”، وعندما انتهت مهمة الحزب، بادر الى سحب هذه القوات بقرار ذاتي وليس استجابة لضغوط روسيا او إسرائيل، وليس هناك ما يمنع عودتها في أي لحظة، وربما بزخم اكبر اذا كانت هناك حاجة طارئة لذلك.

الحديث المتزايد عن سحب قوات إيرانية من الجنوب السوري لتجنب مواجهة مع إسرائيل، او لنزع الذرائع التي تتذرع بها، وتستخدمها ورقة ضغط على الروس، كون المنطقة الجنوبية مشمولة في اتفاقيات تخفيض حدة التوتر الروسية الامريكية لا يعفيها من تقدم الجيش السوري لاستعادتها، فمنطقة الغوطة الشرقية كانت مشمولة بهذه الاتفاقيات أيضا، فمن يسيطر على هذه الغوطة حاليا، وما هو مصير الفصائل التي كانت تسيطر عليها وابرزها “جيش الإسلام”؟

الروسي بارعون، بل دهاة في اتباع سياسة المراحل، واطلاق بالونات الاختبار والتسريبات، خاصة على الساحة السورية، وابرزها في رأينا خلافاتهم مع ايران، والاشهر المقبلة ستثبت صحة توقعاتنا هذه.. والرئيس بوتين اعلم.