القيادة الأردنية تصرفت بطريقة حضارية مسؤولة بإقالة حكومة الملقي وتعيين الرزاز رئيسا جديدا للوزراء.. الأردن مستهدف.. ولكنه لن يركع.. وسيقاوم مشروع الوطن البديل.. وانفتاحه شرقا وشمالا احد ابرز الحلول

عبد الباري عطوان

مبادرة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بإقالة حكومة السيد هاني الملقي التي أدت سياساتها الاقتصادية الى استفزاز المواطن الأردني، ونزول عشرات الآلاف من ابنائه الى الشارع، والميادين العامة احتجاجا على قانون ضريبة الدخل، ورفع أسعار السلع الضرورية، تشكل خطوة حضارية تستحق الاهتمام وتعكس حرصا على الاستماع للرأي العام والتجاوب مع مطالبه المشروعة، والحفاظ على امن البلد واستقراره.

الأردن مستهدف من قبل جهات عديدة، عربية واجنبية، لانه حاول اتباع سياسات مسؤولة في العديد من الملفات الساخنة في المنطقة، وخاصة ملف تهويد مدينة القدس ومقدساتها المسيحية والاسلامية، وتحويلها الى عاصمة ابدية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، ورفضه لصفقة القرن التي تشكل تصفية للقضية الفلسطينية، وطمسا لحق العودة، وكل الثوابت الأخرى.

لا نجادل مطلقا بأن هناك فسادا، وخطايا كبرى ارتكبتها معظم الحكومات السابقة، ولكن وقف المساعدات المالية عن الأردن من قبل دول خليجية لتجويعه وتركيع قيادته وشعبه جاء تمهيدا متعمدا لتمرير هذه الصفقة المريبة ومشروع الوطن البديل، ولذلك لا بد من الوعي بهذه المخططات، والوقوف شعبا وقيادة صفا واحد في مواجهتها.

***

الأردن يُعاقب لانه رفض التورط في حرب اليمن، وارسال قوات للمشاركة في “عاصفة الحزم”، وفضل البقاء بعيدا عن كل هذه المخططات التي تصب في محصلة تفتيت الامة العربية، واستنزف ثرواتها، ودماء أبنائها، ولهذا تدفقت مئات المليارات الى أناس لا يستحقونها، وجرى حرمانه من فتاتها تعمدا، وبأوامر أمريكية.

تعيين الدكتور عمر الرزاز رئيسا جديدا للوزراء هذا الرجل الذي يملك رصيدا كبيرا لدى الشباب الأردني بسبب نزاهته وإنجازاته التي تشهد له في معظم المهام التي تولاها، وآخرها وزارة التربية والتعليم، يشكل نقلة نوعية مهمة على طريق الإصلاح وتصويب البوصلة لتحقيق المطالب الشعبية المشروعة والسير نحو مستقبل واعد بالأمن والاستقرار.

الشارع الأردني الذي انهكته الضرائب، وارتفاع منسوب الغلاء، بات في حاجة ماسة الى حكومة تتجاوب مع آماله، وتطلعاته، وتتفهم مطالبه، ويعتقد الكثيرون، ونحن من بينهم، ان الحكومة الجديدة قد تحقق له الكثير من طموحاته ومطالبه هذه اذا ما أعطيت لها الفرصة، والصلاحيات اللازمة والضرورية لإنجاز برامجها في هذا الاطار.

القيادة الأردنية التي لبت مطالب مواطنيها واقالت حكومة، تغولت في تحميله مسؤولية سياساتها الجبائية المرهقة، تعرف، ونعترف قطعا بمواطن الخلل، ولكن نرى ان من واجبنا تقديم بعض النصائح، أبرزها حتمية الاتجاه شرقا وشمالا، وتعزيز الاعتماد على الذات في الوقت نفسه، بعد ان خذلها اشقاء راهنت عليهم حكومات سابقة طويلا، وخذلوها، بل تآمر بعضهم عليها، ونحن نتحدث هنا عن الانفتاح على العراق وسورية وتركيا وايران على وجه التحديد.

فاذا كان حجم التبادل التجاري بين دولة الامارات العربية وايران يصل الى 8.7 مليار دولار سنويا، وتشكل الصادرات الإماراتية 18 بالمئة من حجم الواردات الإيرانية، وتتطلع تركيا الى رفع حجم التبادل التجاري مع ايران الى 30 مليار دولار سنويا، أي ثلاثة اضعاف حجمه حاليا، فلماذا يلوم البعض الأردن اذا ما حاول الانفتاح على ايران او تركيا؟

نضيف نقطة أخرى مهمة، وهي ان توريط الأردن في الحرب السورية أدى الى نتائج سلبية ابرزها تدفق اكثر من مليون ونصف المليون اردني الى أراضيه، واغلاق حدود كان يدر فتحها حوالي 400 مليون دولار سنويا من جراء الرسوم وغيرها، فلماذا لا تبذل السلطات الأردنية كل الجهود الممكنة لإعادة فتح هذه الحدود، وبما يؤدي الى تدفق البضائع في الاتجاهين أولا، وعودة عشرات الآلاف من اللاجئين ثانيا، خاصة ان مرحلة إعادة الاعمار باتت وشيكة، والشركات الأردنية يجب ان تحرص على انتزاع حصتها كملة فيها.

***

مرة أخرى نسأل، ومن منطلقات اردنية بحته، عن الاسباب التي تحول دون السماح للإيرانيين بزيارة المقامات الدينية الشيعية في الكرك؟ فاذا كان هناك 300 الف حاج يذهبون الى مكة سنويا، علاوة على مئات الآلاف من المعتمرين، ينفقون حوالي نصف مليار دولار سنويا، فلم لا يسمح لهذه العدد او ضعفه بزيارة الأردن؟ وما العيب في الانفتاح الأردني اقتصاديا على تركيا، وإعادة احياء اتفاقيات التجارة الحرة بين البلدين؟

الأردن كان دائما عنوانا للاستقرار في المنطقة، ولم يغلق حدوده مطلقا في وجه كل انسان مظلوم يلجأ اليه بحثا عن الامن والعيش الكريم، سواء جاء من العراق او فلسطين او سورية او اليمن، وضرب المثل في التعايش بين الأديان والمذاهب والاعراق، دون أي تفرقة، ولذلك يستحق منا كل الدعم والمساندة للخروج من هذه الازمة، وكل الازمات لا قدر الله في المستقبل، وكاتب هذه السطور لا يمكن ان ينسى فضل الأردن عليه، وعلى مئات الآلاف من امثاله.. وهذه قصة أخرى.