لماذا يرفض العاهل الأردني الاستجابة لمطالب المحتجين والاطاحة بحكومة الملقي الحالية؟ وهل هناك حلول وسط يمكن ان تشكل مخارج من الازمة؟ وما هي الظواهر “المشرفة” وسط صخب الاحتجاجات وتصاعد وتيرتها؟

عبد الباري عطوان

قواسم كثيرة مشتركة بين احداث معان في رمضان عام 1989 ونظيرتها احداث رمضان عام 2018، رغم مرور 29 عاما بينهما، جرت خلالها مياه كثيرة تحت جسر الأردن، ولكن هناك فوارق عديدة أيضا بين الازمتين وكيفية ادارتهما، لا يمكن استبعادها، وعدم التوقف عندها في أي قراءة لفهم الاحتجاجات الحالية المتسارعة وتيرتها.

احتجاجات معان انفجرت بعد رفع أسعار المحروقات، والعديد من السلع الأساسية، بقرار من حكومة السيد زيد الرفاعي في محاولة لمواجهة العجز في ميزانية الدولة، وتجاوبا مع توصيات صندوق النقد الدولي ايضا، وأطاحت بالحكومة، وادت الى صدور مرسوم ملكي بحل مجلس النواب، والدعوة الى انتخابات برلمانية عامة، اما الثانية التي ما زالت في بداياتها، وتشمل 12  محافظة اردنية، ولا يلوح أي توجه لدى مؤسسة اتخاذ القرار بقيادة الملك ما يؤشر الى قرب حل الحكومة، والتراجع بالتالي عن مشروع قانون ضريبة الدخل المعدل الذي تريد حكومة السيد هاني الملقي طرحه على مجلس النواب لإقراره، وادى الى احتجاجات شعبية سلمية، عكست احتقانا شعبيا متراكما، وكان القانون بمثابة “المفجر” لها.

الملك عبد الله الثاني الذي عاد الى العاصمة الأردنية قبل يومين من جولة خارجية، بادر الى الايعاز للحكومة بسحب قرار برفع أسعار المحروقات، وطالب باجراء حوار وطني للتوصل الى الصيغة الأفضل لقانون ضريبة الدخل محور الخلاف، أدى الى ترسخ انطباع بأن الدولة تتمسك بالقانون الضريبي وتصر على عدم الغائه، الامر الذي اعطى نتائج عكسية، وصب المزيد من الزيت على نار الاحتجاجات امام الدوار الرابع في العاصمة خاصة، حيث مقر الحكومة، وهو الدوار الذي بات يصفه الكثيرون بأنه “طبعة اردنية” لميدان التحرير في القاهرة اثناء مظاهرات “الربيع العربي”، بطريقة او باخرى.

***

الشائعات التي تتناسل في الشارع الأردني كثيرة هذه الايام، وكذلك الفتاوى، والتوقعات في الاتجاهات كافة، ولكن هناك شبه اجماع بأن الحراك الحالي مختلف عن كل الحراكات السابقة، لان ميدانه العاصمة عمان أولا، ولأنه شعبي صرف بلا قيادة سياسية او حزبية ثانيا، ولان معظم المشاركين فيه من أبناء الطبقة الوسطى الذين يحملون شهادات عالية، ومن خلفيات اقتصادية واجتماعية مريحة، ثالثا.

المراقبون الأردنيون المخضرمون أصحاب الباع الطويل في “علم” الاحتجاجات يقولون ان السيد الملقي، رئيس الوزراء، متمسك بالقانون الضريبي الاشكالي، وانه يحظى بدعم المؤسسة الأردنية العميقة، وان الملك عبد الله الثاني لا يريد ان يأتي اسقاط الحكومة على ايدي الشعب او المتظاهرين على وجه الخصوص، وتسجيل سابقة خطيرة بالتالي، حرصا على هيبة الدولة ومكانتها، مهما كان الثمن، أي انه لن يفعل ما فعله والده الملك حسين اثناء ازمة معان في شهر نيسان (ابريل) عام 1989، واتخذا قرار سريع بالإطاحة بحكومة الرفاعي وحل البرلمان والدعوة الى انتخابات عامة حصل فيها الإسلاميون على نسبة كبيرة من المقاعد تصل الى ما يقرب الثلاثين مقعدا، اهلتهم للمشاركة في الحكومة والحصول على بعض الوزارات، ابرزها وزارة التربية والتعليم التي اصروا عليها وكان لهم ما أرادوا.

المراقبون انفسهم يتحدثون عن حدوث صدامات بين السيد الملقي ووزير ماليته عمر ملحس من ناحية، وممثلي النقابات من ناحية أخرى في اجتماع جمعمه قبل يومين، اندلعت على أرضية “عناد” السيد الملقي، وتلويح وزير ماليته بعدم دفع رواتب موظفي القطاع العام نهاية الشهر الحالي، الامر الذي أدى الى رد شعبي بالتصعيد وتوسيع دائرة الاحتجاجات، والامر الملفت الذي ازعج الدولة ومؤسساتها هو النجاح الكبير للإضراب، ودرجة الالتزام به التي زادت عن نسبة 80 بالمئة، وما يمكن ان يترتب على ذلك من خطوات مستقبلية مماثلة تربك الحكومة وخططها الاقتصادية، ناهيك عن استقرار البلاد.

الغالبية الساحقة من الاحتجاجات التي شهدها الأردن منذ مئة عام من تأسيسه تقريبا، كانت من قبل الطبقة الفقيرة المسحوقة، ونحن لا نتحدث هنا عن تلك السياسية، ولكنها المرة الأولى التي تنزل فيها الطبقة الوسطى، الداعم الرئيسي للسلطة، والعمود الفقري للدورة الاقتصادية الى الشوارع، وفي كل المحافظات، ومن مختلف المنابت والاعراق، ويتوحد فيها الشمال والجنوب، المدني والعشائري، الغني والفقير.

الخسارة الأكبر التي لحقت بالعراق اثناء الحصار الأمريكي الذي سبق الغزو عام 2003 هو تدمير الطبقة الوسطى العريقة، ودفع معظم عناصرها ورؤوس أموالها، وخبرائها الى الهجرة، الامر الذي اطلق نظرية مؤامرة تقول ان الحصار الخانق جاء لتجريف هذه الطبقة، واجتثاثها، حتى يظل العراق في حالة من انعدام التوازان، والاستقرار بالتالي لسنوات عديدة قادمة، وهذا ما حدث بالفعل، وما يحدث لسورية وليبيا واليمن أيضا، الامر الذي يشكل جرس انذار للسلطة الأردنية لدفعها  للحفاظ على عمودها الفقري السياسي والاقتصادي بكل الطرق والوسائل الممكنة.

لا نعرف بالضبط كيف ستدير السلطة الأردنية الازمة الحالية، وإيجاد مخارج لها، وفي اسرع وقت ممكن قبل ان تخرج الأمور عن السيطرة، وتدخل عناصر إقليمية او دولية على خطها، وتحاول استغلالها، وتوظيفها، لزعزعة استقرار الأردن، وتمرير اجنداتها الخاصة، ويبدو واضحا ان طرفي الازمة يتبعان أسلوبا واحدا وهو انهاك الطرف الآخر، لدفعه الى تقديم تنازلات، ومن الواضح انه لا توجد أي مؤشرات على نجاح هذا الرهان في أوساط أي من الطرفين، او الرهان الآخر المتبع وهو “عنصر الوقت” في منطقة جغرافية وديمغرافية ملتهبة، والامر لا يحتاج الى المزيد من الشرح.

الحوار الوطني قد يكون احد اهم المخارج دون ادنى شك، لكنه يجب ان يكون مشروطا بتخلي الطرفين عن شروطهما المسبقة، ووجود استعداد للانفتاح وتقبل الطرف الآخر، ووجهة نظره بكل الاحترام والتفهم، بعيدا عن “الفوقية” والنزعات الثأرية والانتقامية، والتحلي بأعلى درجات الحكمة، والمرونة، والبعد عن النظريات المستوردة المصاغة بلغات اجنبية.

الازمة اقتصادية إنسانية بالدرجة الأولى، واي محاولة لتسييسها ستجر البلاد الى أزمات اكبر قد تخرج عن نطاق السيطرة، وهناك قوى متربصة تدفع في هذا الاتجاه، واذا كان رأس هذه الحكومة هو الثمن الذي يمكن ان يجنب البلاد هذه المنزلقات، فلم لا؟ فاستقرار البلاد وامنها ومصالح الشعب اهم من الحكومات، ورؤوسائها ووزرائها او هكذا نعتقد في هذه الصحيفة، خاصة ان الغالبية الساحقة من الاردنيين يدعمون الاستقرار، ويتمسكون به ولا يطالبون بتغيير النظام.

***

لا توجد ازمة بلا حل، واذا كان مشروع قانون الضريبة الجديد يمكن في حال تطبيقه، ان يدر على خزينة الدولة 200 مليون دولار في المتوسط، فان هذا المبلغ يمكن جمعه من مصادر بديلة أخرى، ابرزها السياحة الدينية الشيعية، وفتح الحدود السورية الأردنية، وتخفيض نفقات الدولة، وعدم تقديم حماية مجانية لحدود دول الجوار، والسعودية خاصة.

فاذا كان الخيار بين الرضوخ لشروط الاقتراض المهينة التي يفرضها صندوق النقد الدولي، وبين التقشف، وتغيير بعض التوجهات السياسية التي يتبعها الأردن حاليا تجاه قضايا المنطقة، بعد الخيبات المتتالية من دول الجوار النفطي التي ثبت عقمها وعدم جدواها، فان الخيار الثاني هو الاسلم والاجدى في نظرنا، فلن تخضع حكومة لشروط هذا الصندوق الدولي الأسود كاملة الا وأوقعت نفسها، وشعبها، في مآزق عديدة لم تستطع الخروج منها.

وسط هذه الأجواء القاتمة تظل هناك ظواهر إيجابية، ابرزها هذا “العناق” الذي نراه على شاشات التلفزة بين المحتجين ورجال الامن، وهو عناق حل محل قنابل المولوتوف والقنال المسيلة للدموع او الرصاص الحي، مما يعكس حضارية الشعب الأردني ورقيه، وحبه لوطنه، وحرصه على الابتعاد عن المواجهات، ورجل الامن أولا وأخيرا هو من الشعب، بل وطبقته المسحوقة، وهذه الاحتجاجات تأتي من اجل تخفيف معاناته أيضا، وافراد اسرته أيضا من جراء الغلاء الفاحش الذي جاءت به قرارات هذه الحكومة وسابقاتها.

مرة أخرى نقول انه اذا كان رحيل حكومة السيد الملقي التي استنفذت اغراضها التي جاءت من اجلها، يمكن ان ينفّس حالة الاحتقان الحالية، ويشكل مخرجا أساسيا من هذه الازمة فليكن، فهذه الحكومة سترحل عاجلا ام آجلا، مثل كل الحكومات السابقة، وخير البر عاجلة، او هكذا نعتقد.. والملك عبد الله اعلم.