تتكاثر التسريبات عن تعديلات “تجميلية” لوجه “صفقة القرن” القبيح.. لماذا اختاروا شهر الهزائم العربية لاعلان تفاصيلها؟ ولماذا نجزم انهم لن يجدوا التوقيع الفلسطيني الذي يبحثون عنه؟ وكيف تُفسد مسيرات العودة وشهداؤها وجرحاها الاحتفالات بإطلاقها؟

عبد الباري عطوان

تكثر التسريبات الإسرائيلية هذه الأيام عن صفقة القرن التي تشير بعض التقارير الإخبارية بأن أمريكا ستميط اللثام عن تفاصيلها الشهر المقبل، وتركز على امر واحد وهو الإيحاء بأن تعديلات جديدة جرى إدخالها على بعض بنودها لامتصاص حالة الغضب تجاهها من قبل الفلسطينيين والسلطة في رام الله، وبعض الحكومات العربية.

القاسم المشترك في جميع هذه التسريبات ينحصر في ضم 15 بالمئة من الضفة الغربية الى دولة الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة محافظة باسم القدس في ثلاثة احياء شرق المدينة المقدسة، والتوقف عن ذكر ابو ديس كعاصمة لكيان فلسطيني مشوه، مع بقاء الهيمنة الإسرائيلية على الحدود والأجواء، وحصر حق العودة في الضفة الغربية فقط، ولبضعة آلاف من اللاجئين في دول عربية، ولبنان تحديدا.

التسريبات نفسها تؤكد ان الرئيس محمود عباس أصيب بحالة من الصدمة عندما اطلع على التفاصيل التي طرحها عليه جيسون غرينبلات المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، ولكنه ترك الباب مفتوحا، بينما تحدثت تقارير إخبارية إسرائيلية ان اللواء ماجد فرج، قائد قوات الامن الفلسطينية، قام بزيارة سرية الى واشنطن والتقى المبعوث الأمريكي وجرى اطلاعه على التفاصيل، ولم يصدر أي نفي عن الرجلين لهذه التقارير.

الأخطر من كل ما تقدم، ان الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، لم يعارض هذه الصفقة اثناء عرضها عليه اثناء زيارته لواشنطن في نيسان (ابريل) الماضي، بينما لم يصدر عن مصر أي موقف رافض او مؤيد لها حتى كتابة هذه السطور.

***

العقبة الرئيسية امام هذه الصفقة، أي مدينة القدس المحتلة، حسب إدارة ترامب الحاضنة لها، تم ازالتها باعتراف امريكا بها كعاصمة ابدية موحدة لليهود وليس لإسرائيل فقط، ونقل السفارة الامريكية اليها، وجاءت ردود الفعل العربية والإسلامية محصورة فقط في مسيرات العودة التي شارك فيها عشرات الآلاف من أبناء قطاع غزة المحاصرين المجوّعين، قدموا خلالها اكثر من مئة شهيد وثلاثة آلاف جريح، وكان اول موقف للرئيس محمود عباس بعد خروجه من المستشفى التهديد باستمرار فرض العقوبات على القطاع، حتى تركع “حماس″ لكل مطالبه، وهي عقوبات لم يوجهها او مثلها، لدولة الاحتلال.

صفقة القرن هذه لا يمكن ان تمر الا على جثامين وارواح شهداء فلسطين، وتضحيات أبناء القطاع هي مجرد مقدمة في هذا الصدد، ولا نعتقد ان الاشقاء في الضفة الغربية والمناطق المحتلة عام 1948 سيتركونهم وحدهم، والاجيال القادمة اكثر تشددا واقوى إرادة على المقاومة بأشكالها كافة.

الوضع الفلسطيني المزري الحالي المتمثل في انهيار السلطة وعزلتها شعبيا، لا يمكن ان يدوم، والشيء نفسه يقال أيضا عن الوضع العرب الأكثر رداءة، ولهذا يبحث الامريكيون والإسرائيليون وحلفاؤهم العرب عن التوقيع الفلسطيني لتمرير هذه الصفقة مع عروض مغرية بالمليارات ومن خزائن دول في الخليج العربي للأسف، أي نحن العرب الذين سيدفعون ثمن تصفية القضية الأكثر عدلا في التاريخ نيابة عن الامريكان والاسرائيليين.

الرئيس عباس يعلن رفضه لهذه الصفقة، ويقاطع اللقاءات مع المسؤولين الأمريكيين، ويؤكد في مجالسه الخاصة بانه لن يوقع عليها، ولا نعرف مدى جدية هذه التسريبات، واذا كانت جادة، حتى متى ستستمر في ظل وجود بعض المتنافسين على زعامته الذين سنّوا اسنانهم لنهش لحمه حيا وهو على سرير المرض، واقلامهم وبالألوان كافة للتوقيع، او بعضهم على الأقل، حتى لا نقع في مصيدة التعميم، فلن تكون هناك وراثه لزعامة سلطة رثة دون الرضائين: الأمريكي والإسرائيلي.

***

الشعب الفلسطيني يجب ان ينتفض ويتصدى لهذه الصفقة، ولكل الذين يحاولون “تجميل” وجهها القبيح، وتسويقها له تحت مسميات، وصيغ متعددة، مرفوقة بالحجج والاعذار، ولعل مسيرات العودة التي جسدت إرادة التضحية، والشهادة في أروع صورها، والرد الفوري على العدوان الإسرائيلي على القطاع امس، وثلاث حروب قبلها، هو الطريق الأقصر والأكثر فاعلية لإجهاض هذه الصفقة وغيرها من مؤامرات.

لا حل الا باستعادة كل الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى رأسها القدس، كل القدس، وحق العودة كاملا دون أي نقصان، وستتحقق كل هذه المطالب المشروعة، والا لماذا يبحث الإسرائيليون عن “التوقيع الفلسطيني” وهم الذين يملكون الرؤوس النووية وكل “الإفات” من الطائرات الامريكية الصنع، والقبب الحديدية، ويحتلون الأرض كل الأرض، ويجدون تواطؤا كاملا من بعض العرب، وصمتا من البعض الآخر؟

نطمئنهم بأنهم لن يجدوا هذا التوقيع، وان وجدوه، لن تكون له ولصاحبه أي قيمة.. مثل كل التوقيعات السابقة، وآخرها على أوسلو في حديقة البيت الأبيض.. والايام بيننا.