لماذا تسرّب ايران هذه الايام معلومات عن مراقبتها الدقيقة للقواعد الامريكية في الاردن والسعودية والامارات وقطر؟ وهل ستكون شروط خامنئي السبعة لاوروبا مقدمة للعودة لتخصيب اليورانيوم؟ وماذا نقرأ في اطلاق طائرات “درونز″ حوثية في اتجاه مطار أبها فجأة؟

عبد الباري عطوان

انتقلت ايران في اليومين الماضيين من مرحلة الدفاع الى الهجوم في ردود فعلها على الانسحاب الامريكي من الاتفاق النووي، وتمثلت هذه الخطوة الاستراتيجية الجديدة والمتوقعة، في الشروط السبعة التي حددها السيد خامنئي، المرشد الاعلى للثورة الاسلامية، للدول الاوروبية لاستمرار بلاده في الالتزام بالاتفاق، وتوجيه تهديدات علنية مباشرة من قبل العميد احمد رضا بوردستان، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في الجيش الايراني، بضرب قواعد امريكية في اربع دول عربية هي الاردن، والسعودية، والامارات، وقطر في حال تعرض بلاده لاي عدوان امريكي.

من الواضح ان القيادة الايرانية تريد منح فرصة للدول الاوروبية الثلاث بريطانيا والمانيا وفرنسا للنأي بنفسها عن قرار الرئيس دونالد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، ولكنها لا تريد في الوقت نفسه اعطاءها سقفا زمنيا مفتوحا، وتمثل هذا في الشروط السبعة التي حددها السيد خامنئي، وحملها السيد عباس عراقجي، نائب وزير الخارجية الايراني، الى اجتماع فيينا الذي انعقد يومي الخميس والجمعة الماضيين لضمان المصالح الايرانية في مواجهة العقوبات الامريكية، ويمكن شرح ابرزها كالتالي:

ـ الشرط الاول: التأكيد على ان الاتفاق النووي الايراني جرى اعتماده من قبل مجلس الامن الدولي رقم 2231، وانسحاب امريكا منه يأتي نقضا لهذا القرار، ويجب صدور قرار ادانة مضاد عن المجلس يؤكد هذا النقض.

ـ الشرط الثاني: عدم قبول ايران الانخراط بأي مفاوضات حول برامج صواريخها الباليستية، لان هذه البرامج تشكل جوهر استراتيجيتها الدفاعية التي تشكل خطا احمر.

ـ الشرط الثالث: ضمان جميع التعاملات الاوروبية  التجارية واستمرارها، بما في ذلك صادرات النفط الى اوروبا والهند والصين واليابان، وجميع التعاملات المصرفية المرتبطة بها.

***

عدم التزام اوروبا، ودولها الثلاث الرئيسية بالاحرى، بهذه الشروط، وفي فترة زمنية قصيرة، لا تزيد عن بضعة اسابيع، سيجعل ايران في حل من الالتزام بالاتفاق النووي، والعودة الفورية الى تخصيب اليورانيوم وبمعدلات مرتفعة.

العودة الى تخصيب اليورانيوم يعني تصاعد حدة التوتر مع الولايات المتحدة ودخولها مرحلة غير مسبوقة، وجر المنطقة الى الحرب، ومن الواضح ان ايران غير مستعدة للاستسلام والعيش تحت قبة حصار امريكي اقتصادي خانق يكون مقدمة اساسية لمخطط اسقاط النظام.

حديث العميد بوردستان، الذي يعتبر القيادي الاهم في المخابرات العسكرية الايرانية، عن مراقبة جهازه للقواعد العسكرية الامريكية في الاردن ودول خليجية، ومعرفة كل ما يجري داخلها من تحركات يؤكد النظرية التي تقول بأن هذه القواعد ستكون الهدف الاول لضربات عسكرية ايرانية انتقامية في حال اقدام امريكا على اي عمل عسكري.

انها رسائل ايرانية تشير، متفرقة او مجتمعة، الى ان الصبر الايراني على الاستفزازات الامريكية، سواء تلك المتمثلة في العقوبات الاقتصادية، او ضرب اهداف عسكرية ايرانية في سورية في غارات جوية وصاروخية اسرائيلية، بدأ يدخل مرحلة النفاذ، وان القيادة الايرانية قد تلجأ للرد بصورة او بأخرى، وفي اطار زمني محدود جدا دفاعا عن النفس والمصالح معا.

القصف الصاروخي الاسرائيلي لاهداف عسكرية ايرانية في سورية بات شبه يومي تقريبا، وآخره استهدف مطار الضبعة في حمص، واصبح لا يحرج القيادة الايرانية فقط، وانما نظيرتها الروسية ايضا، وهذا ما يفسر قلق الاخيرة، وعودتها للحديث عن التفكير جديا في رفع “الفيتو” عن تزويد الجيش السوري بمنظومات “اس 300″ المضادة للطيران والصواريخ ولو على لسان خبراء شبه رسميين.

***

اطلاق طائرة بدون طيار نحو مطار أبها جنوب السعودية اليوم السبت، وصواريخ قبلها من منطقة صعدة الحوثية، باتجاه مدينة جيزان الحدودية، ربما يعكس، بصورة او بأخرى، مرحلة قرب نفاذ الصبر الايراني هذه، فالحوثيون لا يملكون القدرة على انتاج هذا النوع في الطائرات، واذا امتلكوه، فإن التقنية ايرانية، وكذلك العقول المشرفة على التدريب، ان لم يكن الاطلاق ايضا، وشاهدنا كيف اربكت طائرة صغيرة لا تزيد قيمتها عن 350 دولارا مطارا سعوديا رئيسيا في جنوب المملكة، والتكاليف الباهظة لاسقاطها بصواريخ “باتريوت”.

امريكا بعيدة جدا عن مرمى الصواريخ  الايرانية حتما، ولكن قواعدها في الدول العربية، والخليجية تحديدا، ليست كذلك، والرسالة في هذا الصدد واضحة المعالم، ولهذا فان الحرب المقبلة في حال اشتعال فتيلها ستكون مختلفة عن كل سابقاتها، من حيث حجم الدمار وطول الامد، ومن المؤلم ان بعضنا كعرب، واسرائيل سنتساوى، وللمرة الاولى، في كوننا أبرز الضحايا ماديا وبشريا، وهنا تكمن قمة مأساتنا.. والايام بيننا.