القصف الأمريكي لمواقع عسكرية سورية قرب دير الزور رسالة تحذير دموية لكن المعركة الوشيكة ستكون في درعا.. وأنباء عن دعم روسي “لا محدود” ولكنه مشروط بانسحاب إيراني من الجنوب.. ما هي أسباب تصاعد منسوب القلق الأردني؟ وكيف سيكون الرد الإسرائيلي؟

عبد الباري عطوان

بينما كان الكثيرون، ونحن من بينهم، يتوقعون تقدم قوات الجيش العربي السوري نحو الجبهة الجنوبية لفتح الحدود مع الأردن، واستعادة درعا الى السيادة الرسمية، فوجئنا فجر اليوم الخميس بقصف طائرات التحالف الدولي الأمريكي مواقع عسكرية سورية في شرق البلاد، أوقع 12 شهيدا للمرة الثانية في اقل من ثلاثة اشهر.

المتحدث باسم القوات الامريكية نفى علمه بحدوث هذا القصف، لكن المرصد السوري لحقوق الانسان المقرب من فصائل المعارضة المسلحة، أكده، مثلما اكد وجود جيب تتمركز فيه قوات “الدولة الإسلامية” (داعش) في المنطقة نفسها.

المعلومات القادمة من دمشق تؤكد ان معركة درعا باتت وشيكة، بعد نجاح قوات الجيش السوري في استعادة حي الحجر الأسود ومخيم اليرموك، بعد السيطرة على الغوطة الشرقية، وتأمين العاصمة كليا من أي قصف مدفعي وصاروخي للفصائل المسلحة، وبدأت الاستعدادات فعلا لشن عملية عسكرية، كبرى نهائية، في منطقة درعا المحاذية للحدود الأردنية جنوبا، ومحافظة القنيطرة شمالا على حدود الجولان المحتلة.

***

أولوية الجيش السوري حاليا تتلخص في استعادة السيطرة على معظم الحدود السورية، ان لم يكن كلها، فبعد استعادته للحدود مع العراق ولبنان، بات الهدف هو الحدود الأردنية السورية التي تسيطر عليها مجموعة من فصائل الجيش السوري الحر، ويحظى بعضها بدعم إسرائيلي ملحوظ.

السيطرة على درعا تنطوي على أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة الى النظام في دمشق، ليس لانها تعني فتح الطريق الدولي الممتد من دمشق حتى العاصمة الأردنية عمان (طوله 90 كيلومترا)، مما يعني موردا اقتصاديا مهما، وبوابة للصادرات السورية، ولأسباب معنوية أيضا، لان شرارة “الثورة” السورية انطلقت من المدينة قبل سبع سنوات.

القيادة السورية حريصة على فتح هذا الطريق الدولي على غرار ما فعلت بفتحها نظيره الذي يربط العاصمة بحمص بعد السيطرة على الغوطة الشرقية، وطريق دمشق دير الزور بعد استعادة تدمر، وإخراج قوات “الدولة الإسلامية” منها.

تأكيد السيد مجبتي فردوسي بور، سفير ايران في الاردن، في حديث ادلى به لصحيفة “الغد” الأردنية امس بأنه لا توجد قوات إيرانية في الجنوب، ونفيه ان تكون قوات بلاده شاركت في معارك الغوطة الشرقية واليرموك والحجر الأسود، يأتي محسوبا بدقة في اطار سحب الذرائع من إسرائيل وامريكا، والتشديد على ان مهمة استعادة درعا هي مسؤولية الجيش السوري وحده.

السلطات الأردنية تراقب معركة درعا الوشيكة بقلق شديد، وان كانت تتمنى حلا سليما يؤدي الى خروج قوات المعارضة المسلحة الى ادلب او جرابلس في الشمال السوري الغربي يجنب حدوث الصدامات العسكرية، وما يمكن ان تنطوي عليه من اضطرابات امنية، وهجرة مئات الآلاف من سكان المنطقة الى الداخل الأردني، مما يزيد من اعبائها الأمنية والاقتصادية والخدماتية، في وقت يتضخم الدين الأردني العام الى اكثر من 36 مليار دولار، ويزيد عدد اللاجئين السوريين عن مليون ونصف المليون لاجيء داخل المخيمات وخارجها.

مصدر لبناني مقرب جدا من القيادة السورية، وعاد للتو من دمشق، اكد لنا في هذه الصحيفة، ان حسم معركة درعا، واعادة المدينة الى السيادة الرسمية، ربما يتحقق قبل عيد الفطر المبارك، وان تفاهمات جرى التوصل اليها في هذا الصدد اثناء قمة سوتشي التي انعقدت الأسبوع الماضي بين الرئيسين السوري بشار الأسد ومضيفه الروسي فلاديمير بوتين، وحصل الرئيس الأسد على دعم روسي كامل في هذا المضمار على غرار ما حصل في الغوطة الشرقية مشروط بعدم مشاركة او تواجد قوات إيرانية في المنطقة، وهذا ما يفسر تصريحات السفير الايراني في عمان وتوقيتها.

ما زال من غير المعروف كيف سيكون الردان الإسرائيلي والامريكي في هذا الصدد، ونحن لا نتحدث هنا عن الرد الأردني، الطرف الثالث، لأننا ندرك جيدا بأنه قد لا يتعارض مع هذين الردين بطريقة او باخرى، لان الأردن لا يستطيع ان يقول “لا” لامريكا التي رفعت مساعداتها المالية اليه الى ما يقرب المليار دولار سنويا، ولكنه، أي الأردن يتمنى ان يتم فتح الحدود الأردنية السورية بأقل الاضرار لان هذا يعني دخول خزانته ما يقرب من 400 مليار دولار سنويا كجمارك ورسوم مع البضائع المارة في الاتجاهين، وعودة المنتوجات الأردنية الى الأسواق السورية، والمشاركة المتوقعة للشركات الاردنية في عملية إعادة الاعمار.

***

حسم معركة درعا وعودتها للسيادة الرسمية، سيكون مقدمة لمعركة أخرى ربما تكون اكثر أهمية، في شرق الفرات، لاستعادة السيطرة على احتياطات النفط والغاز الموجودة في شرق مدينة دير الزور التي ترفض القوات الامريكية أي تقدم باتجاهها، وتريد ان تكون من نصيب الامارة القبائلية السنية الشمرية التي تتطلع الى اقامتها، وتمتد من الحسكة شمالا حتى شرق دير الزور، وقصف المواقع العسكرية فجر اليوم الخميس احد المؤشرات في هذا الصدد.

السوريون يتمتعون بنفس طويل، وصبر لا حدود له، تعزز من خلال معاشرتهم للايرانيين، ويبدو ان هذه الاستراتيجية بدأت تعطي ثمارها، باستعادة 80 بالمئة من الأراضي السورية بعد معارك طاحنة على مدى السنوات السبع الماضية، ومن خلال المقياس نفسه من غير المستبعد ان يكون رفع العلم السوري في ميدان درعا الرئيسي مفاجأة الأيام او الاسابيع المقبلة.. والله اعلم.