“من انتم” الإيرانية تختلف جذريا عن نظيرتها “القذافية”.. هناك أربعة أسباب تؤكد هذه الحقيقة.. رهانات بعض دول الخليج على تغيير النظام في طهران أمريكيا “غير واقعية” وإسرائيل ستكون الخاسر الأكبر سلما او حربا.. واليكم اكثر السيناريوهات ترجيحا

عبد الباري عطوان

اهم رد فعل صدر عن السلطات الايرانية تجاه الشروط الامريكية الـ12 التي طرحها مايك بومبيو، وزير الخارجية الامريكية، في اطار تهديداته الاستفزازية، ورد على لسان الرئيس حسن روحاني عندما قال “من انتم حتى تقرروا عن ايران والعالم”.

صدور هذا الرد القوي على لسان رئيس إيراني “إصلاحي”، وعلى هذه الدرجة من القوة والاستخفاف بأمريكا وتهديداتها، يعني ان ايران كلها، بمعتدليها قبل متشدديها، ستقف في خندق واحد في مواجهة أي عدوان امريكي، سواء كان حصارا اقتصاديا تجويعيا او هجوما عسكريا.

السيد ايشاغ جاهانغيري، نائب الرئيس الإيراني كان مصيبا عندما قال “ان بومبيو جاء متأخرا 40 عاما، فالشعب الإيراني قام بالثورة حتى لا يملي عليه أحد ما يجب ان يفعله”.

لاحظنا ان بعض الاشقاء الخليجيين تعاطفوا بسخرية مع رد الفعل الإيراني على التهديدات الامريكية، خاصة تلك التي صدرت عن الرئيس روحاني، واعادوا الى الاذهان في تغريداتهم، وتعليقاتهم على وسائط التواصل الاجتماعي، استخدام العبارة نفسها من قبل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وغاب عن ذهنهم، ان “من انتم الإيرانية” تختلف كليا عن “من انتم القذافية” لاسباب عديدة، ابرزها ان ايران الحالية ليست مثل ليبيا التي كانت معزولة ومحاصرة عربيا، ولا تملك جيشا ولا حلفاء أقوياء.

***

ليبيا العقيد القذافي كانت لا تملك أدوات الانتقام، والقدرات على الرد عسكريا، فقد سلمت أسلحتها الكيماوية لأمريكا، وفككت برنامجها النووي، وخلعت كل انيابها ومخالبها طوعا، وسلمتها للمحتال الأكبر توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، مضافا الى ذلك ان إسرائيل بعيدة كليا عن مرمى نيرانها، بينما الحال يبدو مختلفا كليا في الحال الإيرانية لعدة أسباب نوجزها في النقاط التالية:

ـ أولا: ايران تملك ترسانة عسكرية هائلة تضم اكثر من 400 الف صاروخ من مختلف الاحجام والابعاد، وجيشا قويا متمرسا في الحربين التقليدية والعصابات، مثلما تملك غواصات وزوارق حربية سريعة لا ترصدها الرادارات، واسلحة كيماوية وربما نووية بدائية، وجيشا عرمرما من الانتحاريين العقائديين الذين يتطلعون الى الشهادة.

ـ ثانيا: ربما لا تملك ايران ما تملكه كوريا الشمالية من صواريخ بعيدة المدى قادرة للوصول الى العمق الأمريكي، ولكن ما لديها يكفي للوصول الى حلفاء أمريكا وقواعدها في المنطقة، ونحن نتحدث هنا عن إسرائيل أولا، والقواعد الامريكية في دول الخليج ثانيا.

ـ ثالثا: التهديدات الامريكية الاخرى قد تدفع ايران الى تعزيز وجودها في سورية المرشحة لكي تكون ميدان المواجهات مع إسرائيل حتى لو اعترضت موسكو على ذلك، وهي قادرة في هذه الحالة للوصول الى حيفا وتل ابيب ويافا وعكا وصفد والقدس المحتلة.

ـ رابعا: تملك ايران “ميليشيات عسكرية” تشكل جيوشا موازية، مثل الحرس الثوري الإيراني، و”حزب الله” في لبنان، وانصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، و”حماس″ في الأراضي المحتلة، وهذه الاذرعة العسكرية، مجتمعة او متفرقة، يمكن ان تتحول الى اذرع ضاربة لزعزعة امن واستقرار إسرائيل ومعظم دول الخليج التي سارعت للترحيب بالاستراتيجية الامريكية الجديدة.

الورقة الأقوى سياسيا التي تملكها ايران، الى جانب اوراقها العسكرية الأخرى، انها ليست الطرف البادئ بالتصعيد، ولم تنسحب من الاتفاق النووي، وبات معظم دول العالم تنظر اليها من منظور “الضحية” المستهدفة من قبل الاستكبار والغطرسة الأمريكيين، وهذا ما يفسر حالة القلق الراهنة على مستوى العالم، وأوروبا الحليف الأمريكي الاوثق تحديدا.

الإدارة الامريكية عاقدة العزم على اعادة العقوبات التي كانت تفرضها على ايران قبل الاتفاق النووي، الامر الذي سيلحق اضرارا كبرى بمصالح حلفائها الأوروبيين في ظل التهديدات بمنع شركاتهم من دخول الأسواق الامريكية اذا ما استمرت في التعامل مع ايران، الامر الذي سيدفع شركات صينية وروسية الى مليء أي فراغ ينجم عن انسحاب هذه الشركات، وهذا ما يفسر تصريحات السيدة فيديريكا موغيريني، وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، التي انتقدت فيها التهديدات الامريكية، وأكدت انه لا يوجد أي حل بديل للاتفاق النووي.

العقوبات الاقتصادية الامريكية المتوقعة على ايران، ومهما كانت شدتها، لن تطيح بالنظام الإيراني، ومن المستبعد ان تدفع بالشعب الإيراني، او الاقليات العرقية في وسطه، للثورة لتغيير النظام، لان هذا الشعب استوعب دروس ثورات الربيع العربي المدعوم معظمها من أمريكا وحلفائها، والدمار الذي حل بدول شعوب عربية من جرائها، مثلما تعلمت الحكومة الإيرانية نفسها من تجارب ليبيا والعراق، وما حل بهما عندما وقعتا في مصيدة الخداع الغربية، وسلمتا أسلحتهما الكيماوية، والقبول بالتفتيش الدولي وشروطه المهينة بالتالي.

ما يؤلمنا ان الدول الخليجية الشقيقة التي تشهد طفرات مالية وعقارية، واستقرارا امنيا وسياسيا، ستكون احد ابرز ضحايا هذه الاستراتيجية الامريكية الجديدة ضد ايران، ماليا وعسكريا، فالرئيس ترامب سيطالبها بتسديد فاتورة الحرب التي بدأ يردد مقولته بأنها جاءت من اجل حمايتها، مضافا الى ذلك، وهذا هو الأهم، ان الصواريخ الإيرانية ستستهدف مدنها والقواعد الامريكية المتواجدة على ارضها كحد ادنى، أي ان تدمير ايران لو حدث، لن يتم بمعزل عن تدمير دول خليجية تقف في الخندق المقابل لها، ومن يقول غير ذلك لا يعرف أمريكا، ويجهل بتاريخ الحرب في المنطقة والعالم.

***

أمريكا اذا حاربت ايران اقتصاديا او عسكريا فإنها تفعل ذلك ليس من اجل حماية دول الخليج، وانما إسرائيل، ومشروع هيمنتها على المنطقة، وإزالة أي منافس لها، والربط بين المصالح الأمنية الخليجية والإسرائيلية، جاء لتبرير توظيف الأموال والأراضي الخليجية في خدمة أي حرب أمريكية تكون إسرائيل رأس حربتها، ولخطة مصالحها.

إسرائيل هي التي وضعت شروط بومبيو الـ12 التي تريد فرضها على ايران، وهي التي تريد استخدام القوة العسكرية الامريكية العملاقة لتحييد الخطر الإيراني المفترض، مثلما فعلت الشيء نفسه عندما ضخمت الخطر العراقي، ونجحت في مخطط تغيير النظام في العراق عبر بوابة المحافظين الجدد.

كوبا، وللتذكير فقط، واجهت الحصار الأمريكي لأكثر من خمسين عاما، ولم تركع ولم تنحن، ولم يتغير نظامها رغم الضغوط الشديدة، وقطاع غزة الذي لا تزيد مساحته عن 150 ميلا مربعا، واجه الحصار وثلاث حروب، ولم يسلم سلاح مقاومته، فاذا كانت جزيرة صغيرة مثل كوبا بشعب صغير، وتاريخ متواضع، استطاعت الصمود والمقاومة، وكذلك قطاع غزة المحاصر المجوع، فكيف سيكون حال قوة إقليمية عظمى مثل ايران تملك ارثا حضاريا يمتد لأكثر من ثمانية آلاف عام؟

أمريكا توشك على ارتكاب حماقة سياسية وعسكرية كبرى في منطقتنا العربية، ولن تكون مضمونة النتائج هذه المرة، ونجزم بأن إسرائيل وبعض الحكومات الخليجية قد تدفع ثمنها غاليا من مالها وأمنها واستقرارها ورخائها.. والأيام بيننا.