إدارة ترامب تعلن استراتيجيتها لـ”تغيير النظام” في طهران وتضع 12 شرطا “تعجيزيا” جميعها تلبي المطالب الإسرائيلية.. عقوبات تاريخية على غرار كوريا الشمالية.. والانسحاب من سورية على رأسها.. كيف ستكون الردود الإيرانية والروسية والصينية والأوروبية؟ اليكم توقعاتنا

عبد الباري عطوان

الخطاب الذي القاه امس مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الجديد، وحدد فيه ضرورة التزام ايران بـ12 شرطا لتجنب “عقوبات تاريخية” تعتزم بلاده فرضها يمثل التهديد الأخطر حتى الآن، ومقدمة لحصار غير مسبوق، ربما يتطور الى حرب شاملة.

في هذا الخطاب حدد بومبيو الاستراتيجية الامريكية الجديدة التي قال انها تتكون من سبع محاور حول كيفية التعامل مع ايران، جميعها تصب في هدف رئيسي، وهو “تغيير النظام” في ايران على غرار ما حدث في العراق وليبيا، وربما في توقيت اسرع مما يتوقعه كثيرون.

الجوهر الأساسي للشروط الـ12 التي حددها بومبيو يمكن اختصارها في أربعة:

ـ الأول: انهاء برامج الصواريخ الباليستية كمرحلة أولى، وتدمير كل مخازن ايران وترسانتها العسكرية منها لاحقا.

ـ الثاني: وقف دعم ايران لـ”الإرهاب”، أي الاذرع المسلحة التابعة لها، او الممولة منها، وهذه إشارة واضحة لـ”حزب الله” في لبنان، وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، والحشد الشعبي في العراق.

ـ الثالث: وقف التدخل في نزاعات “الشرق الأوسط” وهذا يعني قضية فلسطين بالدجة الأولى، ولبنان وسورية والعراق بالدرجة الثانية.

ـ الرابع: الانسحاب كليا من سورية، وانهاء أي تواجد عسكري على ارضها

***

جميع هذه الشروط “التعجيزية” هي إسرائيلية، وتخدم الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة برمتها، وإزالة أي تهديد لها من ايران خصوصا، فمن الواضح ان بومبيو ينطق بلسان بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه افيغدور ليبرمان.

مضمون الرسالة الامريكية “التهديدية” التي وردت في خطاب بومبيو، الذي القي، وفي مثل هذا التوقيت، بهدف ايصالها لإيران وحلفائها واضح للغاية، وهو ان العقوبات “التاريخية” الذي تريد حكومته فرضها تتطابق كليا مع تلك المفروضة على كوريا الشمالية وقبلها على العراق، لان إدارة ترامب ظلت تردد دائما انها لا تريد تكرار خطأ سابقتها إدارة أوباما التي كانت لينة مع الأخيرة، أي كوريا الشمالية، وسمحت لها بالوصول الى الردع النووي وتطوير صواريخ باليستية تصل الى العمق الأمريكي.

الوزير بومبيو، ومثلما هو واضح من فقرات الخطاب الناري الذي القاه، لن يسمح لاوروبا وشركاتها الكبرى بأي هامش للحركة، والمضي قدما في التعامل تجاريا مع ايران، عندما قال “سنواصل العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة ايران المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وعرقلة تمويلها للارهاب، والتعامل مع نشر صواريخ في هذا الاطار لان الرهان على ان الاتفاق النووي مع ايران سيساعد على استقرار المنطقة كان رهانا سيئا بالنسبة الى أمريكا وأوروبا والشرق الأوسط والعالم باسره”.

التهديدات الامريكية للشركات الأوروبية الكبرى التي تتعاطى تجاريا مع ايران بدأت تعطي ثمارها وبشكل مبكر، مما يقطع الطريق على طموحات ايران في المضي قدما في بيع النفط والغاز لاوروبا (20 بالمئة من الصادرات الإيرانية في هذا الميدان تذهب الى أوروبا)، وإبقاء تعاملاتها المصرفية، وفتح الأجواء والموانيء امام طائراتها وسفنها، فشركة النفط الفرنسية العملاقة “انجي” أعلنت انها ستوقف اعمالها في ايران في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وحذت شركة “توتال” النفطية الكبرى حذوها عندما قالت انها لن تكمل مشروعها في قطاعي الغاز والنفط في حال عدم حصولها على “اعفاء” امريكي، وهي لن تحصل عليه حتما.

لا نعرف كيف ستكون الردود الأوروبية والروسية والصينية وأخيرا الإيرانية على هذه الخطوة التصعيدية الامريكية ضد ايران، فأكثر من 70 بالمئة من الصادرات النفطية الإيرانية (3.6 مليون برميل) تذهب الى الصين، وحجم التبادل التجاري الصيني الإيراني يبلغ 60 مليار دولار سنويا، فهل ستلتزم هذه الدول الصمت، وتسمح بالحاق الضرر بمصالحها التجارية؟

اما بالنسبة الى روسيا فان رد فعلها ما زال غامضا، فمطالبتها بإنسحاب جميع القوى الأجنبية من الأراضي السورية اثناء اجتماع قمة الأسد بوتين في سوتشي الأسبوع الماضي، لم يستثني القوات الإيرانية، كما ان صفقة صواريخ “اس 300″ الروسية لم تسلم كلها الى ايران حتى الآن، ولن تسلم الى سورية أيضا تجاوبا مع مطالب إسرائيلية.

***

الإيرانيون يتوقعون مثل هذا التهديد الأمريكي، مثلما يتوقعون أيضا انضمام الاتحاد الأوروبي لاي عقوبات تفرضها أوروبا، والسيد محمد جواد ظريف، وزير الخارجية، عبر عن مخاوف بلاده في هذا المضمار اليوم عندما قال في تصريح صحافي في ختام لقائه مع المبعوث الأوروبي للطاقة ميغيل ارياس كانيتي في طهران ان “تعهدات أوروبا بإنقاذ الاتفاق النووي غير كافية ويجب القيام بخطوات إضافية، لان الدعم السياسي ليس كافيا”.

دول الخليج العربية ستقف مع الخطوات الامريكية حتما، بما في ذلك تغيير النظام في طهران، وبادرت فورا وبالاجماع بتأييد العقوبات الامريكية ضد السيد حسن نصر الله وتسعة مسؤولين آخرين من قيادات “حزب الله”، وستكون نقطة انطلاق للعقوبات وميدانا للحرب، تماما مثلما لعبت الدور الأبرز في الحربين على العراق وسورية.

لا نعلم كيف سيكون الرد الإيراني على هذه التهديدات الامريكية الأخطر في تاريخ العلاقات بين البلدين، فهل ستعود القيادة الإيرانية الى تخصيب اليورانيوم فورا مثلما هدد السيد علي خامنئي، المرشد الأعلى،؟ ام انها ستتريث في محاولة من جانبها لدراسة الموقف واستطلاع مواقف الحلفاء في روسيا والصين وبعض أوروبا؟

لا نملك الإجابة الفورية، ولكن من الواضح ان خطاب بومبيو “اعلان حرب”، ومؤشر واضح على نوايا إدارة ترامب بتغيير النظام في طهران.

انها رياح الفوضى التي قد تسبق عاصفة الحرب المدمرة التي يقرع طبولها الرئيس ترامب، وصقور ادارته ابتداء من جون بولتون، ومرورا بجيم ماتيس، وانتهاء ببومبيو، وجميعهم عنصريون كارهون للاسلام والمسلمين والعرب، ولا ننسى كبيرهم نتنياهو الحاكم الفعلي للبيت الأبيض هذه الأيام.. ومن المؤكد ان لنا عودة او اكثر، الى هذا الموضوع فيما هو قادم من أيام.