بعد احتفالات السفارة الامريكية في القدس.. والرد العربي الباهت.. ترامب يستعد لاعلان “صفقة القرن” بعد عيد الفطر.. والصيف المقبل سيكون “تطبيعيا” بامتياز.. التسريبات بدأت تطفو على السطح.. والتفاصيل مرعبة.. والتواطؤ في ذروته.. والمسرح في طور الاعداد

عبد الباري عطوان

تزامن الاحتفالات بنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة، وتكريسها عاصمة ابدية لدولة الاحتلال الاسرائيلي مع الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين، يأتي المقدمة الاولى والاهم في تطبيق “صفقة القرن”، التي ستجسد تصفيه نهائية للقضية الفلسطينية، اذا ما سارت الامور بالشكل الذي تريده ادارة الرئيس ترامب.

التسريع بنقل السفارة الامريكية وربطه بالاحتفال بالذكرى السبعين للنكبة جاء بمثابة “بالون اختبار” لرصد ردود الفعل العربية والدولية تمهيدا لاعلان هذه الصفقة، ومن المؤلم ان ردود الفعل كانت باهته جدا في معظم الاراض الفلسطينية باستثناء قطاع غزة الذي شهد مظاهرات حاشدة لاكثر من ستة اسابيع سقط خلالها اكثر من مئة شهيد، واصابة اكثر من ثلاثة آلاف آخرين برصاص القناصة الاسرائيليين، والشي نفسه يقال عن معظم العواصم العربية والاسلامية.

وكالة انباء “الاسوشيتدبرس″ العالمية بدأت “عملية التسريب” لتسويق هذه الصفقة عندما نشرت بالامس تقريرا نقلا عن خمسة مسؤولين امريكيين بارزين رفضت تسميتهم، قالت فيه ان الرئيس دونالد ترامب سيعلن عن تفاصيل هذه الصفقة بعد شهر رمضان الحالي، وهي الصفقة التي وضع خطوطها العريضة مع صهره جاريد كوشنر، ومبعوث امريكا لـ”السلام” في الشرق الاوسط جيسون غرينبلات، وبإشراف مباشر من قبل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الاسرئيلي.

الرد العربي الباهت، بل والمتواطيء، على نقل السفارة والمجزرة الاسرائيلية في غزة، يوحي بأن الدول العربية الرئيسية، وخاصة مصر والاردن ومعظم دول الخليج، على دراية بتفاصيل المخطط الامريكي القادم، فلم تدعو هذه الدول لعقد قمة عربية طارئة، وحضورها في القمة الاسلامية التي دعا اليها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كان في ادنى مستوياته (باستثناء الاردن)، فمعظم دول الخليج (باستثناء الكويت) تمثلت بوزراء خارجيتها، ولم تتجرأ اي دولة من تلك الدول التي اقامت علاقات دبلوماسية مع اسرائيل (مصر والاردن) على استدعاء سفرائها او طرد السفير الاسرائيلي من عاصمتها احتجاجا، مثلما فعلت دول غير عربية، مثل تركيا وبوليفيا وجنوب افريقيا وايرلندا وبلجيكا، وهذا يوحي بالكثير، وبمفاجآت صادمة في الاشهر المقبلة.

***

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي استدعى السيد اسماعيل هنية الى القاهرة، وارسل له طائرة خاصة لنقله والوفد المرافق له، من مطار العريش، في محاولة من جانبه، وبطلب امريكي، لوقف مسيرات العودة، وتهدئة الاوضاع في القطاع، الى جانب مناقشة مقترحات بهدنة لعشر سنوات، وبدأت بعض اوساط حركة “حماس″ اطلاق تسريبات تفيد “باتفاق ما” يكسر الحصار عن قطاع غزة بات محتملا.

امريكا، وحلفاؤها العرب في مصر والاردن ودول في الخليج العربي، ستتبع سياسة “العصا والجزرة” مع الفلسطينيين، او بالاحرى، قيادتهم في الضفة والقطاع، “العصا” في وقف المساعدات المالية وتشديد الحصار، و”الجزرة” في وعود بإغراق الضفة والقطاع بالاموال  العربية والغربية ثمنا للتناول عن القدس وحق العودة، وعدم معارضة “الصفقة”.

قرار الرئيس السيسي المفاجيء وغير المسبوق بفتح معبر رفح طوال شهر رمضان يأتي في اطار “اتفاق محتمل، للتهدئة، ووقف، او تخفيف زخم مسيرات العودة، وامتصاص نقمة اهل القطاع وتحسين ظروفهم المعيشية، لانهم الوحيدين، وبطلب من حماس، الذين ثاروا على المخطط الامريكي، وافسدوا احتفالات نقل السفارة، وفضحوا الوجه الاسرائيلي الارهابي البشع، ولكن الصورة ربما تتغير جذريا، اذا رفضت قيادة حركة “حماس″ “الجزرة” الامريكية، المقدمة على طبق عربي وكل الاحتمالات واردة، لان هناك تيارا قويا داخلها يرفع لواء المعارضة.

التفاصيل التي جرى تسريبها حتى الآن عن مضمون “صفقة القرن” تقول بتسمين قطاع غزة، واضافة 720 كيلومترا من ارض سيناء على امتداد الساحل، وبما يشمل مدينة العريش والشيخ زويد، واقامة ميناء ومطار، على ان تحصل مصر على المساحة نفسها من الاراضي الفلسطينية المحتلة في النقب، وفي المقابل سيتم اقامة مدينة “نيوم” على الحدود المصرية الاردنية السعودية واستثمار 500 مليار فيها لاستيعاب معظم العاطلين عن العمل، وضخ المزيد من الاستثمارات غير المباشرة في الاقتصاد المصري، اما الضفة الغربية فليس لها غير السلام الاقتصادي، وتحسين ظروف الحكم الذاتي.

العصا الامريكية الغليظة تتمثل في تجميد المساعدات المالية عن السلطة الفلسطينية في حال رفضها التعاون، وجرى حاليا تجميد 200 مليون دولار من ميزانية هذا العام، و65 مليون اخرى من ميزانية وكالة الاونروا، وقرار وقف جميع المساعدات الخليجية للاردن يصب في المحصلة نفسها للضغط عليه، والفلسطينيين على ارضه، بالقبول بالصفقة والا عليهم تحمل النتائح، وعملية التهميش للاردن ودوره بدأت وستتصاعد.

***

حملات “التكريه” المتصاعدة في بعض دول الخليج وخاصة في السعودية بالشعب الفلسطيني، واتهامه ببيع ارضه، وتوظيف جيش الكتروني وكتاب كبار من المقربين للنظام في اطار مخطط محكم يسير جنبا الى جنب مع عملية تطبيع متعاظمة مع اسرائيل تعكس الدور الخليجي في محاولة تمرير هذه الصفقة، وما اعتقال خمسة نشطاء ونشيطات في السعودية امس من المعروفين لمعارضتهم التطبيع الا اول الغيث.

استهداف محور المقاومة، وقصف مواقع ايرانية في سورية من قبل اسرائيل وطائراتها وصواريخها، وفرض عقوبات على السيد حسن نصر الله وتسعة من قيادات حزب الله، ووضع الحزب كله، بجناحيه السياسي والعسكري على قائمة الارهاب، كلها اجراءات تصب في اطار الخطوات الامريكية لفرض صفقة القرن، واستغلال حالة الضعف العربية والاسلامية الراهنة، باعتبارها فرصة تاريخية لن تتكرر.

لا نستبعد اعلانا اسرائيليا وشيكا بالقبول بمبادرة السلام العربية، بعد تفريغها من اهم اركانها، اي حسم مستقبل القدس المحتلة واخراجها من المعادلة، وازالتها من مائدة اي مفاوضات قادمة، مثلما لا نستبعد زيارات متبادلة بين مسؤولين اسرائيليين وعرب من منطقة الخليج بعد عيد الفطر المبارك.

الصيف العربي القادم قد يكون صيفا تطبيعيا بامتياز، وقد يشهد ازاحة الستار عن تفاصيل الصفقة المسمومة.. اللهم اننا قد بلغنا.. واللهم فاشهد.