ما هي خطوات ترامب القادمة بعد الغائه الاتفاق النووي؟ وهل سيحتفل بولتون مع المعارضة الإيرانية بالقضاء على الثورة الإيرانية قبل بلوغها عيدها الأربعين؟ ولماذا نشك في ان ينجح الحصار الأمريكي الوشيك في اجبار ايران التفاوض راكعة مثل كوريا الشمالية؟

عبد الباري عطوان

ربما تكون حالة الهدوء الحالية على الجبهة السورية بعد معركة تبادل الصواريخ فجر الخميس الماضي بين ايران وإسرائيل “مؤقتة”، لانها تأتي في سياق اضخم واكثر تعقيدا، ونتيجة صفقة عقدها بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اثناء زياته لموسكو يوم الأربعاء الماضي، من غير المعتقد ان تعمر طويلا، لان موسكو لن تستطيع الاستمرار في مسك العصا من الوسط لفترة طويلة.

السؤال الذي يتردد بقوة هذه الأيام في العواصم الغربية يتمحور حول خطوات الرئيس دونالد ترامب المقبلة بعد الغاء الاتفاق النووي مع ايران، والدور الإسرائيلي المتوقع في المرحلة المقبلة.

هناك خياران مترابطان امام الرئيس الأمريكي، احدهما يؤدي الى الآخر:

ـ الأول: ان يتم تفكيك الاتفاق وإعادة التفاوض عليه مجددا، بحيث يتضمن النص الجديد وقف مطلق ودائم لتخصيب اليورانيوم ودون تحديد أي سقف زمني، وهذا التفكيك لا يمكن ان يتم الا بموافقة او استسلام إيراني.

ـ الثاني: البدء باتخاذ خطوات عملية لتغيير النظام في طهران بدءا بفرض حصار خانق يؤدي الى انهيار الاقتصاد، ودفع الشعب الإيراني الى الثورة، في حال فشل الخيار الأول، ونفذت ايران تهديداتها بالعودة الى التخصيب.

***

الرئيس ترامب يعتقد ان إجراءات الحصار الموجعة ربما تدفع القيادة الإيرانية الى الرضوخ لمطالبه والجلوس الى مائدة الحوار تماما مثلما حصل مع كوريا الشمالية ورئيسها كيم جونغ اون، مثلما يروج المقربون منه.

لا نجادل مطلقا بأن الحصار على كوريا الشمالية كان قاسيا فعلا، واذا كانت قسوته هي الدافع الفعلي لرئيسها للقبول بالمفاوضات، فان الامر استغرق اكثر من عقدين على الأقل قبل ان يعطي مفعوله، مضافا الى ذلك انه لم يمنع السلطات الكورية الشمالية من الاستمرار في تجاربها وإنتاج رؤوس نووية، وصواريخ باليستية يمكن ان توصّلها الى الهدف الذي تريد، وربما يفيد التذكير أيضا بأن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو استطاع ان يقاوم الحصار الأمريكي اكثر من خمسن عاما ولم يستسلم.

ما يمكن قوله استنادا الى ما تقدم، ان الرهان على الحصار لتركيع القيادة الإيرانية غير مضمون النتائج، وان ترامب نفسه قد لا يعمر في السلطة حتى يتحقق هذا الهدف على أي حال، ولهذا لا نستبعد ان يتم الانتقال الى الخيار العسكري لتغيير النظام بالقوة، وإسرائيل تدفع بقوة في هذا الاتجاه، ولا نستبعد ان يكون القرار قد اتخذ فعلا، ويمكن الاستناد الى امرين مهمين يرجحان هذه النظرية:

ـ الأول: مقال كتبه جون كريكاو، الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية (سي أي ايه) قبل يومين في موقع “كونسريتوم نيوز″، قال فيه انه بعد استدعائه من باكستان حيث كان يقاتل تنظيم “القاعدة”، الى مقر الوكالة في ربيع عام 2002، ابلغه رئيسه ان البيت الأبيض اتخذ قرارا بغزو العراق والاطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين في شباط (فبراير) عام 2003، وانشاء اكبر قاعدة أمريكية في جنوبه، وأضاف “اأُتخذ القرار وبدأت بعدها مرحلة البحث عن الذرائع، والسيناريو العراقي يتكرر حاليا في ايران”.

ـ الثاني: تصريح خطير ادلى به جون بولتون، مستشار الامن القومي الأمريكي الجديد في خطاب القاه في مؤتمر للمعارضة الإيرانية، (مجاهدي خلق) في باريس ونقلته صحيفة “الفايننشال تايمز″ وقال فيه “ان حكم الملالي في ايران لن يحتفل بالعيد الأربعين (11 فبراير) الذي يصادف شتاء عام 2019، وسنراكم هناك في طهران).

مرحلة جمع الذرائع لتبرير أي عدوان امريكي على ايران بدأت قبل ان يلغي ترامب الاتفاق، من خلال حملات إعلامية مكثفة تقودها إسرائيل وحكومات عربية تتهم ايران بخرق الاتفاق، وإقامة مراكز سرية لتخصيب اليورانيوم، وتهديد امن واستقرار الشرق الأوسط بل والعالم بأسره، من خلال دعمها لمنظمات إرهابية، ابرزها تنظيم “القاعدة”، ولم يكن من قبيل الصدفة ان يقدم نتنياهو عرضه لما اسماه وثائق البرنامج النووي الإيراني قبل أيام من قرار ترامب.

لا نستبعد ان تكون إسرائيل التي بدأت الحرب ضد ايران على الأراضي السورية، رأس حربة في الحرب الامريكية القادمة ضد ايران، ونذكر جيدا ان ديك تشيني، نائب الرئيس جورج دبليو بوش، واحد ابرز مهندسي الحرب على العراق، قال قبل بضعة أسابيع من مغادرته البيت الأبيض (نوفمبر 20018)، بعد فوز الرئيس باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية، ان الحرب المقبلة ستكون ضد ايران، وامريكا لن تشعل فتيلها، ولكن اذا هاجمت إسرائيل طهران فإنها، أي أمريكا، ستقف الى جانبها.

الرئيس ترامب رد على التهديدات الايرانية باستئناف تخصيب اليورانيوم فور الغاء الاتفاق بالتحذير من “عواقب وخيمة” اذا أقدمت ايران على هذه الخطوة.

مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الجديد سيبدأ بالحشد للحرب في أوروبا والخليج والشرق الأوسط، بالطريقة نفسها الذي فعلها كولن بأول قبل الحرب على العراق، ولن نستغرب خروجه على شاشات التلفزة ملوحا بوثائق وصور تؤكد وجود مراكز تخصيب سرية إيرانية على طريقة نتنياهو.

الجنرال محمد علي الجعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، كان مصيبا في رأينا عندما توقع امس وبعد ترحيبه بإلغاء ترامب للاتفاق، ان يحذوا الأوروبيون حذو الرئيس الأمريكي، ويقفوا في خندقه في نهاية المطاف، وما لم يقله او كاد “ان الكفر ملة واحدة”.

***

لا نعرف كيف سيكون رد الإيرانيين على كل هذه السيناريوهات التهديدية، وما نعرفه ان الرئيس ترامب وصقوره ابتداء من بومبيو وانتهاء ببولتون احرجوا المعتدلين، وقوضوا قاعدتهم الشعبية، ولمصلحة الجناح المتشدد في طهران الذي لم يكن مطلقا من بين المؤيدين للاتفاق النووي.

ربما يكون التهديد الذي أصدره العميد عباس سدهي رئيس مكتب العلاقات الشعبية في القوات المسلحة الايرانية الذي قال فيه انه “اذا هاجم الكيان الصهيوني ايران فان عليه ان يعلم بأن تسوية حيفا وتل ابيب بالأرض ستكون امرا حتميا”، مضيفا “ان العدو يعلن جيدا، ان “عهد اضرب واهرب” قد ولى، وان القوات المسلحة والحرس الثوري على استعداد لتنفيذ أي استراتيجية يوعز بها قائد الثورة”.

ليدنا ايمان راسخ بأن الحرب المقبلة ستكون مختلفة، وان إسرائيل لن تنتصر فيها، وان بولتون لن يحتفل بهزيمة الثورة الإيرانية العام المقبل في طهران.. وما علينا الا الانتظار.