أمريكا تريد الزج بقوات سعودية في شمال غرب سورية والأردن في جنوب غربها.. والخطة إقامة ثلاثة كيانات جديدة مستقلة.. تحالف رباعي امني عسكري عراقي سوري إيراني برعاية روسية يتبلور لمواجهة هذا المخطط وتغيّب عنه تركيا.. ونقطة الصفر انسحاب ترامب من البرنامج النووي الإيراني بعد ثلاثة أسابيع.. والنتائج كارثية

عبد الباري عطوان

لا نعتقد ان الاجتماع الذي استضافته طهران اليوم الخميس وضم مسؤولين عسكريين وامنيين على مستوى عال من كل من روسيا وسورية والعراق، علاوة على الدولة المضيفة ايران، كان هدفه الحقيقي تنسيق جهود مكافحة الارهاب، مثلما اعلن العميد امير حاتمي، وزير الدفاع الإيراني، وانما الاستعداد لمواجهة خطط الانسحاب الأمريكي من سورية، ومليء الفراغ الذي سينجم عن ذلك بقوات عربية “سنية” من السعودية والامارات وقطر والأردن ومصر أيضا، اذا سارت الأمور مثلما تشتهي سفن دونالد ترامب.

جميع مخططات التدخل العسكري في سورية والعراق وليبيا واليمن جاءت تحت ذريعة محاربة الإرهاب، و”الدولة الإسلامية” او “داعش” على وجه الخصوص، وانتهى هذا التنظيم تقريبا، وخسر عاصمته الأولى (الرقة)، والثانية (الموصل) ومعظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، بينما تتعاظم هذه المخططات وتتناسل بدعم امريكي وغربي واقليمي أيضا، والهدف استنزاف العرب والمسلمين، وتمزيق دولهم وشعوبهم.

***

هناك احاديث تتردد بقوة في أروقة مراكز البحث الغربية والروسية معا عن وجود خطط أمريكية لإقامة ثلاثة كيانات جديدة في سورية:

ـ الأول: كيان كردي في شمال سورية يشمل الحسكة والقامشلي، ويمتد حتى منبج وعفرين، وتريد أمريكا انشاء قوة من 30 الف جندي من الاكراد لحماية هذا “الكوريدور”، وتوظيف قواعدها العشرين في المنطقة في خدمة تدريب هذه القوات وتسليحها.

ـ الثاني: إقامة كيان او جيب عربي سني يكون نواة لدولة قبائل “شمّر” تمتد من جنوب الحسكة وحتى دير الزور على طول شرق الفرات، تسيطر على حقول النفط والغاز في المنطقة التي يوجد في جوفها نصف احتياطات الطاقة السورية، وهذا ما يفسر الاهتمام الأمريكي المبالغ فيه بالسيد احمد الجربا، احد شيوخ قبائل شمّر البارزين.

ـ الثالث: تأكيد مصدر عسكري روسي نقلت عنه وكالة “سبوتنيك” الرسمية، ان المسلحين في جنوب غرب سورية، والجيش السوري الحر، ومقاتلي “جبهة النصرة”، يخططون لشن هجوم واسع بدعم امريكي لاقامة كيان جديد يضم محافظات السويداء والقنيطرة ودرعا، وتكون الأخيرة عاصمته، وانه جرى تشكيل قوة عسكرية قوامها 12 الف مقاتل، وقالت السيدة ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم الخارجية الروسية اليوم الخميس ان “بلادها تملك معلومات حول محاولات المعارضة السورية وتنظيم جبهة النصرة إقامة منطقة حكم ذاتي جنوب سورية بدعم أمريكا”.

الاجتماع الرباعي الذي انعقد في بغداد اليوم، تزامن مع قيام الطائرات الحربية العراقية في ضرب اهداف وقواعد لمقاتلي تنظيم “داعش” داخل سورية، مما يعني ان الحلف العسكري والأمني الجديد الذي يتبلور حاليا، وتَغيّب عنه تركيا، ربما يتحول الى حلف عسكري للتصدي للقوات الامريكية اذا بقيت في سورية بطريقة مباشرة او غير مباشرة، او لاي قوات عربية “سنية” يمكن ان تحل محلها.

التطور اللافت، هو التقارب السوري العراقي برعاية إيرانية ومباركة روسية، مما يؤشر الى احتمال خروج العراق من تحت المظلة الامريكية بشكل نهائي، وهناك تقارير إخبارية من داخل العراق تقول ان السيد حيدر العبادي، رئيس الوزراء، الذي يعتبر حليف أمريكا في العراق بدأ يخطط لنقل البندقية الى الكتف الإيراني، وان ادانة السيد مقتدى الصدر للعدوان الثلاثي على سورية يأتي تناغما مع التوجه الجديد رغم تشكيك البعض، والقول بأنه تكتيك انتخابي محض.

إدارة الرئيس ترامب التي تقترب من موعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، تريد محاربة ايران بقوات العرب واموالهم، وهذا ما يفسر مطالبتها لدول محور “الاعتدال” بإرسال قوات الى شمال شرق سورية للتصدي للميليشيات العسكرية السورية والعراقية المدعومة إيرانيا، ودعم الكيانين المفترضين العربي والكردي “السنيين” شرق الفرات.

***

الخشية كل الخشية ان تتورط السعودية في الشمال الشرقي السوري، والأردن في الجنوب الغربي رضوخا للاملاءات والاغراءات الامريكية معا، وآخر الاغراءات، عرض من الرئيس ترامب تصبح من خلاله السعودية “حليف استراتيجي” لامريكا من خارج حلف الناتو، وفي الخانة نفسها التي تضم إسرائيل والأردن وكوريا الجنوبية.

ربما تكون إسرائيل حصلت على أربعة مليارات دولار سنويا كمساعدات أمريكية، وأحدث ما في الترسانة الامريكية من طائرات حربية وصواريخ وتكنولوجيا عسكرية، ولكن ما الذي حصل عليه الأردن غير الجحود، وطائرات “اف 16″ قديمة متهالكة، وبعض الدبابات التي خرجت من الخدمة لانتهاء عمرها الافتراضي، يسدد قيمتها من مساعدة سنوية في حدود مليار دولار؟ والسؤال الآخر هو عما ستحصل عليه السعودية التي تبادر بتقديم مئات المليارات لامريكا لشراء الأسلحة لخوض حروب أمريكا الحالية والقادمة ضد ايران، سواء غير مباشرة في سورية واليمن، وربما مباشرة في ايران.

لا نعتقد ان تحذيرنا، وغيرنا، ستجد آذانا صاغية، وعلينا ان نتذكر دائما ان أمريكا خسرت حروبها في سورية والعراق، وقد لا تكسب حربها في ايران بالتالي، وستورث هذه الهزائم، وفواتيرها، وتبعاتها، لحلفائها العرب.

أمريكا ابتزت معظم دول الخليج ماليا وامنيا وعسكريا على مدى سبع سنوات في سورية، وسبع أخرى في ليبيا، وثلاث سنوات في اليمن، ويبدو انها لم تشبع من المال والدم العربيين، وما زالت تطمع بالمزيد، ومن المؤلم انها تجد من يتجاوب مع ابتزازها.