أربعة احتمالات وراء ارتباك ترامب وتناقض تصريحاته ومواقفه تجاه الحرب في سورية.. لماذا اعترف وزير دفاعه ماتيس فجأة بعدم امتلاك ادلة على استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما؟ وهل حذر بوتين نتنياهو من تكرار سيناريو عفرين التركي في درعا؟ ولماذا استقبل الأسد ولايتي في القصر الجمهوري مبتسما؟

عبد الباري عطوان

تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الى شخصية “كاريكاتورية” مضحكة بالنظر الى تغريداته على التويتر، وتصريحاته التي تعكس شخصية مهزوزة، مترددة وبهلوانية، وليس رئيس دولة عظمى تتحكم بمقدرات العالم وامنه واستقراره.

قبل ثلاثة أيام قال لنا ان الحرب في سورية ستكون في غضون يوم او يومين على الأكثر، وهدد روسيا بأن صواريخه الذكية والبارعة والحديثة جاهزة وعليها الاستعداد لمواجهتها، واليوم الخميس تراجع كليا، وخرج علينا يقول “انه سيلتقي مستشاريه في شأن سورية على ان يتخذ قرارا في وقت قريب حول تنفيذ عمل عسكري”.

رش جيم ماتيس وزير الدفاع الأمريكي اكياسا من الثلج على رأس رئيسه المرتبك عندما قال امام الكونغرس انه لا يملك “ادلة” على استخدام أسلحة كيماوية في دوما، رغم وجود العديد من المؤشرات في الاعلام وشبكات التواصل الاجتماعي على استخدام الكلور وغاز السارين.

قبل ان نحلل معاني هذه التصريحات والاعترافات والتراجعات نسأل: منذ متى تستقي الدولة الامريكية معلوماتها من الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وتتخذها مصدرا يمكن الاعتماد عليه لوضع سياسات دولية، واتخاذه دليلا موثوقا لشن الحروب وتدمير الدول وتغيير الأنظمة، وهي التي تملك ميزانيات بحوالي 250 مليار دولار.

***

هناك أربعة احتمالات رئيسية يمكن استخلاصهما من عملية التأجيل المرتبك حتى الآن للضربة الامريكية:

ـ الأول: حدوث انقسام في الإدارة الامريكية بين مؤيد ومعارض لاي هجوم متسرع على سورية دون وجود ادلة قاطعة على استخدام أسلحة كيماوية في الغوطة.

ـ الثاني: وصول معلومات مؤكدة لهذه الإدارة بأنه لم يتم استخدام مثل هذه الأسلحة مطلقا وانها وقعت ضحية اكذوبة كبرى.

ـ الثالث: جدية التهديدات الروسية بالتصدي لهذا الهجوم واحباطه مهما كلف الامر، بما في ذلك حدوث صدام عسكري مع الولايات المتحدة قد يتطور الى حرب عالمية.

ـ الرابع: رفض حلفاء أمريكا مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا المشاركة في أي ضربات عسكرية تقود الى صدام مع روسيا واشعال فتيل حرب عالمية ثالثة.

اللافت ان لهجة التهديدات الامريكية تراجعت بعض الشيء في الساعات القليلة الماضية، وتصاعدت التصريحات، وخاصة من قبل أوساط قادة الكرملين، التي تؤكد ان قنوات الاتصال مفتوحة بين الجيشين الروسي والامريكي، وان الخط الساخن بين قيادتيهما في حالة عملياتية عالية لتجنب أي صدامات على الأرض، مما يعني ان القوتين العظميين توصلتا الى “تفاهمات ما” لتجنب الصدام، والاكتفاء بضربة استعراضية لإنقاذ ماء وجه الرئيس ترامب على غرار قصف مطار الشعيرات بحوالي 59 صاروخ “توماهوك”.

روسيا متمسكة بموقفها بأنه لا يوجد أي دليل على وقوع هجوم كيماوي من قبل الجيش السوري على مدينة دوما، وعززت هذا الموقف مع دخول قواتها الى الغوطة الشرقية، وكذلك مفتشي منظمة منع انتشار الأسلحة الكيماوية الى مدينة دوما وبدء تحقيقاتهم رسميا السبت، والأكثر من ذلك ان القيادة الروسية وجهت أصابع الاتهام الى جماعة الخوذ البيضاء، التابعة للمعارضة السورية باستخدام هذه الأسلحة لتوفير الذرائع المفبركة لادارة ترامب للتدخل عسكريا، والتغطية على هزائمها في الساحة السورية.

المخاوف الروسية المشروعة تنبع من الدور الإسرائيلي في تصعيد هذه الازمة، وهذا ما يفسر الاتصال الهاتفي بين الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتحذير الأول أي بوتين، من تكرار السيناريو التركي في مدينة عفرين، واحتلال أراض سورية تحت ذريعة التصدي للنفوذ الإيراني، وربما يفيد تذكير إسرائيل بأن أي احتلال للأراضي السورية، خاصة في منطقة درعا او القنيطرة، ومحاولة إقامة حزام امني سيغرقها في حرب استنزاف ستنتهي بهزيمة مذلة مثلما حصل لها في جنوب لبنان وقطاع غزة.

الزيارة التي قام بها السيد علي ولاياتي المستشار الأعلى للسيد علي خامنئي في الشؤون الخارجية الى دمشق اليوم، ولقائه الرئيس السوري بشار الأسد في القصر الرئاسي، يؤكد ان البلدين في حالة تأهب قصوى، ومستعدان لمواجهة أي ضربات أمريكية بصورة مباشرة او غير مباشرة، ولعل الرسالة الأهم ان الرئيس الأسد لم يغادر القصر الجمهوري مثلما أفادت محطات تلفزة عربية وإسرائيلية، وما زال يمارس مهامه بصورة طبيعية دون خوف او هلع.

كان لافتا ان السيد ولايتي قال في تصريح ادلى به في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد اللقاء “يجب ان يقوم الجيش السوري بطرد القوات الامريكية من شرق سورية وانتزاع مدينة ادلب من قبضة مقاتلي المعارضة”، فهذا يعني ان الرد على أي ضربة أمريكية سيتركز في اعلان الحرب على هذه القوات، وشن هجوم كبير لاستعادة آخر مواقع المعارضة المسلحة في مدينة ادلب، والحكومتان السورية والإيرانية يملكان خبرة عريقة في تشكيل الاذرع العسكرية والميليشيات وحركات المقاومة، وخوض حروب الاستنزاف، والامريكان اكثر من اكتووا بنار هذه الحرب في العراق وأفغانستان، وقريبا جدا في سورية.

وربما يفيد التذكير بأن السيد ولايتي اكد ان الهجوم الإسرائيلي على مطار “التيفور” العسكري اسفر عن استشهاد 14 شخصا بينهم سبعة إيرانيين لن يمر دون رد حازم.

***

جميع الترجيحات تؤكد انه اذا لم تقصف الإدارة الامريكية أهدافا في سورية فجر الجمعة، فإن العدوان الأمريكي سيؤجل لاسابيع، ان لم يكن قد تم صرف النظر عنه كليا، تحت ذريعة انتظار نتائج التحقيقات الدولية في استخدام الأسلحة الكيماوية، والنتائج التي ستسفر عنها.

الرئيس ترامب يعيش مأزقا حقيقيا، وربما يلجأ الى ضربة استعراضية على أهداف سورية اقل أهمية، لإنقاذ ماء وجهه بعد ان ادرك ان خصمه الروسي لن يقف مكتوف الايدي على هذا العدوان، الذي سيشكل إهانة له ولهيبته في المنطقة والعالم.

الرئيس الروسي وحلفاؤه في سورية وايران ربما يكونوا قد كسبوا الجولة الأولى في “الحرب الباردة”، ودون اطلاق رصاصة واحدة حتى كتابة هذه السطور، لكن علينا في الوقت نفسه ان لا نستبعد اقدام الرئيس ترامب، الذي يتصرف مثل الثور الهائج المثخن بالجراح، ويضرب يمينا ويسارا وفي كل الاتجاهات، ان يشن عدوانا فجر اليوم متحديا الدولة العميقة التي تحاول كبح جماحه.

نختم بالقول انه أيا كانت نتائج هذه الازمة فان ذريعة استخدام الأسلحة الكيماوية ستسقط، وقد لا يلجأ احد لاستخدامها، لانها لم تعد مقنعة، او هكذا نعتقد.. وان روسيا بوتين ادارت هذه الازمة بصلابة وثقة واقتدار.. والله اعلم.