ترامب يلغي زيارته لأمريكا الجنوبية ويرسل مدمراته البحرية الى السواحل السورية.. هل اقتربت “ساعة الصفر” وباتت سورية هدفا لعدوان ثلاثي امريكي فرنسي بريطاني؟ وكيف ستكون الضربة.. استعراضية ام تستهدف القواعد الروسية والعاصمة دمشق؟ ولماذا يلتزم بوتين الصمت؟

عبد الباري عطوان

اللغة التي يستخدمها بعض المسؤولين في الإدارة الامريكية في التعاطي مع الازمة السورية توحي بأنهم تخرجوا من اكاديميات لها علاقة “بعلم الحيوان”، فالرئيس دونالد ترامب وصف الرئيس بشار الأسد قبل يومين بأنه “حيوان”، وامس اكدت السيدة نيكي هايلي “ان الوحش المسؤول عن الهجوم الكيماوي في الغوطة الشرقية هو روسيا التي لا تشعر بالخزي وتواصل دعم النظام السوري”.

هذه التوصيفات والالفاظ “الشوارعية” تعكس حالة من الارتباك، وليس تأكيدا على القوة، فالقوي الواثق من نفسه لا يهبط الى هذا المستوى من ادب التخاطب، ويختار كلماته بعناية فائقة ترتقي الى مكانته ووظيفته.

حتى لا نغرق في التعميم، نؤكد ان هناك “عقلاء” في الولايات المتحدة، ينظرون الى تطورات الازمة السورية الحالية المتعلقة باتهامات للحكومة السورية باستخدام أسلحة كيماوية في الغوطة، بطريقة مختلفة، ومن بين هؤلاء العقيد بات لانغ، الذي عمل في القوات الخاصة، ووكالة المخابرات العسكرية الامريكية، وخدم في منطقة الشرق الأوسط لعدة سنوات.

***

العقيد المتقاعد لانغ وجه رسالة الى جيمس ماتيس، وزير الدفاع الأمريكي، يخاطبه فيها بقوله “ارجوك سيدي ان تنظر في احتمالات ان يكون الهجوم بغاز الاعصاب في الغوطة الشرقية من تنفيذ فصائل معارضة محاصرة في دوما، ولاهداف دعائية بحته لدفعنا كأمريكيين للاقدام على رد الفعل الذي نراه حاليا في وسائل الاعلام الغربية، المعارضة هزمت في الغوطة الشرقية، ومقاتلوها وعوائلهم جرى ترحيلهم الى مدينة جرابلس قرب الحدود التركية عبر حافلات مكيفة، فماذا تستفيد الحكومة السورية المنتصرة من استخدام الأسلحة الكيماوية؟ آمل ان ترسل فريقا متخصصا لتقصي الحقائق قبل الاقدام على أي عمل عسكري”.

 لا نعتقد ان وزير الدفاع الأمريكي سيعطي هذه الرسالة أي اهتمام، لسبب بسيط، وهو ان قرار توجيه ضربات عسكرية انتقامية الى اهداف سورية، وربما روسية وايرانية أيضا، فالرئيس ترامب حمل الرئيس فلاديمير بوتين المسؤولية عن هذا الهجوم الكيماوي، ومندوبته في الأمم المتحدة كررت الاتهامات نفسها، وقالت في كلمتها امام مجلس الامن امس ان حكومتها سترد عسكريا، سواء اتخذ المجلس قرارا بإدانة سورية وروسيا ام لا، مثلما نجزم في الوقت نفسه بأن الإدارة الامريكية لن تستجيب لترحيب السلطات السورية بوفد تقصي حقائق ترسله منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية  الى الغوطة الشرقية.

الرئيس ترامب الذي قال قبل أسبوع انه سيسحب قواته من سورية الغى جولة كان سيقوم بها الى أمريكا الجنوبية لحضور اجتماع قمة الامريكيتين المقررة في ليما، عاصمة البيرو، يومي الجمعة والسبت القادمين، والنتائج التي يمكن ان تترتب عليها، واوعز في الوقت نفسه بإرسال مدمرة بحرية أمريكية مجهزة بصواريخ “توماهوك” الى شرق البحر المتوسط قبالة السواحل السورية.

كل الدلائل تشير الى ان عدوانا ثلاثيا أمريكيا فرنسيا بريطانيا بات وشيكا على سورية استكمالا للعدوان الإسرائيلي الذي استهدف قاعدة “تيفور” الجوية السورية قرب مدينة حمص، وادى الى استشهاد 14 جنديا سوريا وايرانيا، بقصف صاروخي لطائرات “اف 15″ من الاجواء اللبنانية فجر امس.

أي ضربة عسكرية لاهداف سورية، سواء كانت ثلاثية او رباعية، لن تغير الوقائع على الأرض او نتائج الحرب في سورية، فالجيش السوري استعاد معظم المدن الكبرى، وانهى التهديد الصاروخي الذي كان يستهدف العاصمة دمشق بعد استعادته للغوطة الشرقية كاملة، ولم يعد هناك احد يجادل، او يتجرأ، على الحديث عن مستقبل الرئيس السوري الأسد في السلطة.

التغيير الوحيد الذي يمكن ان يغير الوقائع على الأرض في سورية هو التدخل العسكري الأمريكي الشامل على غرار ما حدث في العراق عام 2003، وهذا مستبعد كليا، لان العواقب ستكون كارثية على أمريكا، وسيكون الثمن باهظا “جدا”، واحتمالات الصدام مع روسيا وقواعدها ستكون حتمية.

***

الرئيس ترامب تورط من خلال تهديداته بتوجيه ضربات انتقامية، ولا يستطيع ان يتراجع ويظهر بمظهر الضعيف المتردد، ومن غير المستبعد ان يكون عدوانه الثلاثي المقبل استعراضيا، وستكون أهدافه سورية محضة، لتجنب احتكاك روسي، بعد تهديدات الجنرال فاليري غراسيموف، رئيس هيئة اركان الجيش الروسي، بأن القوات الروسية سترد ليس فقط على الصواريخ في حال تعرض أرواح الجنود الروس للخطر، وانما للقواعد والسفن التي انطلقت منها أيضا.

الرئيس بوتين يلتزم الصمت تجاه هذه التهديدات الامريكية، ونعتقد انه صمت الواثق الذي يترك “الثرثرة” للآخرين، والامر المؤكد انه سيكون هناك “رد على الرد” على الأرجح، من الصعب علينا ان نتكهن بطبيعته وحجمه.

الساعات القادمة ربما تكون الأخطر في تاريخ المنطقة العربية منذ عقود، وقد تؤرخ لانسحاب امريكي شامل، وبدء مرحلة الانعزال الأمريكي الذي يلوح به الرئيس ترامب.

روسيا التي أُهينت في أفغانستان، واُذِلت في العراق، وخُدِعَت في ليبيا، لن تقبل الهزيمة في سورية.. والأيام بيننا.