هل سيشارك الاسد في “القمة الثلاثية” القادمة في طهران؟ وماذا يعني رفضه الدعوة الروسية لقمة انقرة الاخيرة؟ وما هي الاسباب الحقيقية لتراجع ترامب عن قرار سحب قواته من سورية لفترة محدودة؟ وكيف سيعوض البنتاغون خسارة تركيا؟

عبد الباري عطوان

بعد القمة الثلاثية التي انعقدت في انقرة بحضور الرئيسين الروسي فلاديمير بويتن، والايراني حسن روحاني، والمضيف التركي رجب طيب اردوغان، نشرت صحيفة “الاخبار” اللبنانية المقربة من “حزب الله” خبرا نقلا عن مصادر روسية عالية المستوى، قالت فيه ان القيادة الروسية تمنت على الرئيس السوري بشار الاسد حضور هذه القمة، وان الرئيس التركي يرحب بهذه الخطوة، ولكنه، اي الرئيس الاسد، اعتذر عن عدم تلبيته هذه الدعوة، وزيارة انقرة في ظل استمرار احتلال قواتها لاراض سورية.

المصادر الروسية التي “سربت” هذا النبأ، الذي لم يصدر اي نفي او تأكيد له، او حتى تعليق عليه، اراد ان يؤكد على ثلاث حقائق رئيسية:

ـ الاولى: ان الخلافات السورية التركية التي بلغت ذروتها في بداية الازمة السورية انتهت تقريبا، وان هناك تنسيقا في معظم القضايا المتعلقة بالملف السوري بين الجانبين، ويتوحدان على ارضية الهدف المشترك وهو محاربة التحالف الكردي الامريكي الذي يريد اقامة دولة على حساب الارض والامن القومي للبلدين.

ـ الثانية: ان مقعد سورية في هذه المنظومة الاقليمية الدولية الثلاثية الجديدة “محجوز″ وستشغله في الوقت المناسب.

ـ الثالث: ان الازمة السورية تقترب من نهايتها، ان رئاسة الاسد لم تعد موضع نقاش، وان الحل السياسي بات محصورا في هذه المنظومة الجديدة، وفي هذا الاطار، والخطوة المقبلة تتمثل في مخرج دستوري يقود الى انتخابات برلمانية ورئاسية على الطريقين الروسية والصينية، وتحقيق المصالحة الوطنية في مؤتمر سوتشي.

***

هذه القمة الثلاثية وما تمخضت عنه من تفاهمات ابرزت فشل السياسة الامريكية ليس في سورية وحدها، انما في منطقة الشرق الاوسط برمتها، وبثت اليأس والاحباط في نفس الرئيس دونالد ترامب، ودفعته الى اصدار قراره “الغاضب” بالانسحاب من سورية.

تراجع الرئيس ترامب عن هذا القرار رضوخا لضغوط القيادات العسكرية والبيروقراطية السياسية، كان مؤقتا، ولفترة ستة اشهر فقط، وفي محاولة لكسب الوقت، تماما مثلما تراجع “مؤقتا” وتحت الضغوط نفسها، عن الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني للفترة نفسها تقريبا.

خروج تركيا من تحت العباءة الامريكية، وحسم الرئيس اردوغان امره بالانضمام الى المنظومة الايرانية الروسية، كان اكبر تجسيد للفشل الاستراتيجي الامريكي المذكور، في سورية والعراق وافغانستان، وهذا ما دفع الرئيس ترامب للشكوى من انفاق بلاده سبعة تريليون دولار في الشرق الاوسط، ولم تجن في المقابل غير القتل والدمار.

الرئيس ترامب بات يدرك جيدا، ان بقاء قواته في سورية في ظل “الحرب الباردة” التي تزداد سخونة، بشكل متسارع هذه الايام، سيؤدي الى المزيد من الخسائر المالية والبشرية معا، واكد لنا مصدر قريب من الروس والايرانيين، ويتابع بشكل لصيق لهذا الملف، ان هناك معلومات مؤكدة بتشكيل قوات مقاومة عراقية وسورية بدعم روسي لاستهداف القوات الامريكية وان نقطة الصفر هي بعد اعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران، وقال انتظروا بضعة اسابيع، تجربه “حزب الله” و”الحشد الشعبي” و”انصار الله” الحوثية ستتكرر في شمال سورية قريبا.

جنرالات البنتاغون الذين يقفون خلف بناء قواعد عسكرية في شمال سورية، يريدون استخدام الاخيرة كبديل عن تركيا، كقاعدة لمواجهة روسيا في الحرب الباردة، ورضوخا لمطالب اللوبي الاسرائيلي الذي يدفع في اتجاه زيادة اعداد القوات الامريكية وليس الابقاء عليها فقط لمواجهة النفوذ الايراني المتزايد.

ترامب يفهم لغة الاقتصاد من منظار آلته الحاسبة وارقامها ومعادلاتها الحسابية، ويعتمد الابتزاز المالي لحلفائه، والسعودية ودول الخليج كأقصر الطرق للوصول الى اهدافه، بينما يرى الاعضاء المؤسسون للمنظومة الثلاثية الجديدة (تركيا، روسيا، ايران) الاقتصاد من زاوية استراتيجية سياسية بعيدة المدى، وهذا ما قصده اردوغان عندما تحدث في مؤتمره الصحافي والى جانبه ضيفه بوتين، بأن التعاون التجاري الحالي بين بلاده وروسيا سيرتفع من 33 مليار دولار الى مئة مليار في السنوات القليلة القادمة، اما التبادل التجاري مع ايران فسيصل الى 35 مليار دولار، اي ما يقرب من ثلاثة اضعاف ارقامه الحالية، وهذه النظرة التجارية هي التي رفعت النمو في تركيا الى 7.4 سنويا، اي الاعلى عالميا بعد ايسلندا (8.8)، والشيء نفسه يقال عن الاقتصاد السوري الذي ينهض من بين ركام الدمار، وينعكس في التحسن المتواصل لسعر الليرة اما الدولار.

***

ترامب يبتز اصدقاءه ويقودهم الى الافلاس، والتحالف الثلاثي يعزز مكانة اعضائه اقتصاديا وسياسيا، ويفتح باب العضوية لكل من يريد تحدي الغطرسة الامريكية، ولا نستغرب انضمام العراق وسورية، وربما الجزائر والصين اليه ايضا.

المقعد السوري محجوز بقوة في هذا التحالف وسيتم اشغاله قريبا، اما نظيره في قمة الرياض العربية التي ستعقد بعد عشرة ايام سيظل شاغرا ربما لسنوات، او حتى عقود قادمة،لان القيادة السورية لم تعد  تعتبر مؤسسة القمة هذه “عربية”، في صورتها الحالية، ولا نختلف معها في هذا التقييم.

ولا نستبعد ان يكون الرئيس الاسد العضو الرابع في منظومة القمة الثلاثية التي ستعقد في الاشهر المقبلة في طهران، حيث ربما تكون هذه القمة المكان الانسب للمصالحة التركية السورية على ارض ثالثة، وان كانت غير محايدة في الملف السوري.