قمة بوتين اردوغان روحاني الثلاثية في انقرة تحدد ملامح سورية الجديدة وتنهي حلم الاكراد في إقامة كيان مستقل وتقطع علاقة تركيا بحلف “الناتو”.. بيان ختامي رسم خريطة طريق.. واجتماعات ثنائية مغلقة ترتب أوضاع المنطقة.. وتقديم موعد صفقة صواريخ “اس 400″ لتركيا يشي بالكثير

عبد الباري عطوان

حسمت قمة انقرة الثلاثية التي انعقدت اليوم (الأربعاء) انحياز روسيا بالكامل الى الخندق التركي في قضيتين أساسيتين: الأولى منع الاكراد من إقامة كيانهم السياسي المستقل شمال سورية، والثانية رفض أي وجود امريكي تحت ستار مكافحة الارهاب.

البيان الختامي الذي صدر عن هذه القمة قطع خطوات رئيسية على طريق تعزيز التحالف الاستراتيجي بين القوى الثلاث، ووضع خريطة جديدة ليس لسورية فقط، وانما للمنطقة بأسرها.

لا نجادل مطلقا في ان البيانات الختامية لا تعكس جميع الاتفاقات السرية التي جرى التوصل اليها بين قادة الدول الثلاث جزئيا او كليا، وخاصة اللقاءات الثنائية المغلقة، ولكن ما يمكن قراءته ما بين سطور البيان الختامي، ان محورا استراتيجيا ثلاثيا، يتعزز ويقوى، بزعامة دولة عظمى صاعدة بسرعة صواريخ “الكروز″، وعضوية دولتين اقليميتين عظميين أيضا هما تركيا وايران وسيكون لهذا المحور دور أساسي في ملفات الحرب والسلم في المنطقة، ومفتوحا لانضمام دول أخرى في طريقها للتعافي مثل سورية والعراق.

***

ثلاثة محاور مهمة وردت في البيان الختامي تؤكد ما ذكرناه آنفا:

ـ الأول: التصدي للأجندات الانفصالية في سورية (الاكراد) التي تهدد وحدة وكيان البلد، وتهدف لإضعاف الامن القومي لدول الجوار (العراق، تركيا، ايران).

ـ الثاني: رفض خلق واقع جديد في سورية تحت ستار مكافحة الإرهاب، يهدف الى استمرار الصراع، وهذه إشارة واضحة وصريحة لوجود القوات الامريكية، وربما الفرنسية لاحقا، والقواعد العسكرية الدائمة، الامريكية، والتحالف الكردي الامريكي خصوصا.

ـ الثالث: الالتزام بسيادة سورية واستقرارها، واعتماد منظومة سوتشي التي تشكل معلما لأي حل سياسي في سورية، والبحث عن تسوية دائمة فيها.

اذا انتقلنا الى بعض التفاصيل يمكن القول ان الرئيس رجب طيب اردوغان حسم امره وقرر وضع معظم بيضه، ان لم يكن كله، في سلة “صديقه” بوتين، وقرر تشكيل حلف استراتيجي مع روسيا، وادارة الظهر لامريكا والدول الأوروبية، وحلف “الناتو” تحديدا، ولو الى حين.

قرار روسيا بتقديم موعد تسليم صواريخ “اس 400″ الى تركيا المقرر في تموز (يوليو) 2019، يؤكد التموضع الاستراتيجي التركي الجديد، وتوصل الرئيس اردوغان الى “تفاهمات” غير مسبوقة مع نظيره الروسي، ربما تتضمن حلا سياسيا متفق عليه في الملف السوري يحتوي عدة قضايا صعبة مثل مستقبل مدينتي ادلب وعفرين الخارجتين عن السيادة السورية، وشكل الدولة السورية وهويتها وهيكليتها الجديدتان.

كان لافتا ان الوفد التركي الذي ترأسه الرئيس اردوغان في القمة او اللقاءات الثنائية المغلقة ضم اركان الدولة التركية العليا، سياسيا وعسكريا وامنيا، مثل رئيس هيئة اركان الجيش التركي الجنرال خلوصي اركان، ورئيس المخابرات الجنرال هاكان فيدان، ووزير الدفاع نور الدين جانيكلي، والخارجية مولود جاويش اوغلو، ومستشار الرئيس والعقل السياسي الاستراتيجي الدكتور إبراهيم كالن، خليفة احمد داوود اوغلو، وهذه التركيبة توحي بالكثير.

توقيت اعلان تثبيت صفقة صواريخ “اس 400″ الروسية لتركيا، وتقديم موعد تسليمها، وفي ظل وجود وفد عسكري امريكي في انقرة كان يريد عرقلتها، وتقديم عروض مغرية لتركيا لشراء صواريخ “باتريوت” البديلة، في نسختها الأكثر تطورا، جاء صاعقا للرئيس ترامب وادارته وجنرالاته، ولا نستبعد ان تكون صفقة الصواريخ الروسية هذه هي التي رجحت كفة الجنرالات في المؤسسة العسكرية الامريكية وضغوطهم لبقاء القوات الامريكية في شمال سورية، انطلاقا من تكريس قناعة أساسية بخسارة الحليف التركي، والتمسك بالحليف الكردي كبديل في المنطقة.

الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي عقد بدوره لقاء مغلقا مع الرئيس بوتين، كان يمثل الحليف السوري، الى جانب بلده ايران في هذه القمة، وعَكَس وجهة النظر هذه في تصريحات صحافية مقتضبة تؤكد ان الحليفين الإيراني والسوري حققا مكاسب كبيرة نلخصها في ثلاث اهداف:

ـ الأول: التأكيد على امن واستقرار سورية ووحدة أراضيها، والتزام الدول الثلاث بذلك.

ـ الثاني: عودة اللاجئين السوريين الى مدنهم وقراهم، ولا يمكن ان تحقق هذه العودة دون تحقيق هدنة او وقف دائم لاطلاق النار.

ـ الثالث: تحديد مستقبل سورية ومصيرها بإرادة شعبها، وهذا يعني تكريس بقاء الدولة السورية برئاسة بشار الأسد.

***

ختاما نقول اننا امام حلف سياسي عسكري امني استراتيجي يتبلور قد يكون ندا لحلف “الناتو”، ووريثا لحلف “وارسو” بنكهة إسلامية (شيعية سنية) ومسيحية ارثوذكسية، وهذا التزاوج الديني المذهبي التعددي ربما يكون احد أسباب قوته، واستمراريته، خاصة ان احتمالات الصراع في المنطقة، في ظل حكومة الحرب التي اكمل نصابها الرئيس ترامب بإبعاد تيلرسون وماكماستر واستبدالهما بمايك بومبيو (الخارجية)، وجون بولتون (الامن القومي)، تبدو كبيرة.

انها قمة “الدهاة” الثلاثة، الذين يطبقون اجنداتهم ورؤاهم الاستراتيجية بطريقة محسوبة، ومن المؤلم بالنسبة الينا انه لا يوجد بينهم أي زعيم عربي، رغم ان قضايانا وهمومنا ومستقبل بلادنا تشكل كلها محور اهتمامهم.