لماذا ارتدى الرئيس اردوغان الزي العسكري اثناء زيارته للحدود السورية؟ وهل الصدام مع أمريكا في منبج بات وشيكا؟ وكيف نفسر الدخول الفرنسي على خط دعم الاكراد عسكريا؟ وما هي الأسباب الثلاثة التي جعلت ايران وروسيا تصمتان على اجتياح عفرين؟

عبد الباري عطوان

ارتداء الرئيس التركي رجب طيب اردوغان زيا عسكريا مرقطا، وتفقده مخفرا حدوديا في منطقة هاتاي، او انطاكية قرب الحدود السورية، وبصحبته الجنرال خلوصي آكار، وقادة من العسكريين الكبار يوحي بأن الرجل يريد توجيه رسالة مزدوجة الى الداخل التركي أولا، والى العالم الخارجي، وخاصة حلفائه في أمريكا وحلف الأطلسي انه مستعد للمواجهة العسكرية ضد الاكراد ومنع قيام كيان لهم على الشريط الحدودي السوري الشمالي.

بعد الاستيلاء على مدنية عفرين، وحوالي الفي كيلومتر مربع في محيطها، وقتل حوالي 3852 “إرهابيا” من قوات حماية الشعب الكردية، حسب إعلانه الرسمي في كلمة وجهها الى الجنود في المخفر الحدودي، تظل كل هذه الانتصارات ناقصة، ولا نقول دون أي قيمة فعلية، اذا لم تتقدم القوات التركية نحو مدينة منبج وتستولي عليها، وبما يفتح الطريق امامها نحو مدن أخرى تقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية مثل الرقة والحسكة والقامشلي وعين العرب.

***

اقتحام منبج سيكون التحدي الأكبر بالنسبة الى الرئيس اردوغان وجيشه الذي يحتل المرتبة الثانية بين نظرائه في حلف “الناتو”، لان الولايات المتحدة الامريكية حتى هذه اللحظة مصممة على نصرة القوات الكردية المرابطة فيها، ومنع الجيش التركي من السيطرة عليها، حتى لو أدى الامر الى مواجهة عسكرية.

لتأكيد جدية موقفها الداعم لقوات سورية الديمقراطية أرسلت القيادة العسكرية الامريكية 300 جندي إضافي الى منبج معززين بعشرات الدبابات والمدرعات والعتاد الثقيل، اما الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون فهدد بارسال قوات فرنسية الى منبج والمناطق الخاضعة للسيطرة الكردية في شمال سورية، لدعم القوات الامريكية المتواجدة فيها، وتأييد فرنسا للكيان الكردي قيد الولادة رسميا.

بمعنى آخر أصبحت تركيا تواجه نظريا اكبر قوتين عسكريتين في حلف الناتو، أي الولايات المتحدة وفرنسا على الأرض السورية، وليس امامها الا خيار الحرب، بعد ان رفض الرئيس اردوغان بشدة اقتراحا من الرئيس الفرنسي بالترتيب لحوار تركي كردي تحت رعايته، وهو العرض الذي اعتبره الرئيس اردوغان مهينا، وشن هجوما شرسا على نظيره الفرنسي لاستقباله وفدا كرديا، و”ذكره” بتاريخ فرنسا الاجرامي الاستعماري ومجازره في الجزائر وغيرها.

القمة الثلاثية التي ستعقد الأربعاء في إسطنبول، وتضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإيراني حسن روحاني الى جانب اردوغان ستحدد خريطة المعارك على الأرض السورية في الفترة المقبلة، وخاصة معركة منبج، وربما طبيعة العلاقات المستقبلية بين دمشق وانقرة أيضا سلما او حربا.

الإيرانيون وحلفاؤهم السوريون والروس غضوا النظر عن الاجتياح التركي لمدينة عفرين وجوارها، لثلاثة أسباب رئيسية:

ـ الأول: تركيزهم على معركة الغوطة الشرقية، والإصرار بالتالي على اخراج جميع الفصائل المسلحة منها، وتأمين العاصمة دمشق من قذائف الهاون التي زعزعت امنها، وهذا الهدف تحقق الآن بنجاح كبير.

ـ الثاني: قضاء الاتراك عسكريا على فرص قيام كيان كردي في شمال سورية يحظى برعاية أمريكية، وربما إسرائيلية أيضا، يصب في مصلحة كل من ايران والحكومة السورية، وطالما ان تركيا تطوعت بتنفيذ هذه المهمة فلا بأس، وجزاها الله كل خير، ولكل حادث حديث بعد ذلك.

ـ الثالث: حدوث صدام تركي من ناحية وامريكي فرنسي من الناحية المقابلة في منبج او غيرها من المدن الكردية الأخرى، يعني خروج تركيا بشكل نهائي من حلف “الناتو” والمعسكر الغربي، وانضمامها الى المحور الروسي الإيراني، وربما السوري أيضا في مرحلة لاحقة، لان هذا هو الخيار الوحيد المتاح امامها.

***

من الصعب علينا استباق الاحداث، وما يمكن ان نقوله في هذه المرحلة، ان الرئيس التركي اردوغان يعيش “مزاجا” حربيا، وبات يدرك جيدا انه لا يستطيع التوقف في منتصف طريق عملية “غصن الزيتون” والاكتفاء بمدينة عفرين دون التقدم نحو منبج، ثم الرقة والمدن الأخرى لاجتثاث الحلم الكردي الاستقلالي كليا.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا الشأن يتعلق بما اذا كانت شريكتاه في قمة إسطنبول، روسيا وايران، ستقدمان الدعم له، سياسيا وعسكريا، في معركة منبج في حال اشتعالها ام لا، واذا قدمتا له هذا الدعم بشقيه المذكورين آنفا، فما هو الثمن الذي سيحصلان عليه في المقابل: عودة ادلب وعفرين ومدن مثل الباب وجرابلس الى السيادة السورية؟

نترك الإجابة لما بعد انتهاء قمة إسطنبول الثلاثية، وما سيصدر عنها من “تفاهمات” وهي في تقديرنا من اهم القمم واخطرها في الوقت نفسه.