ماذا يعني اعتراف الامير محمد بن سلمان بقاء الرئيس الاسد في قمة السلطة السورية وتزامنه مع قرار ترامب بسحب جميع قواته؟ وهل سنرى تغييرا جذريا في السياسة السعودية في الملف السوري بعد انهيار “امبراطورية” جيش الاسلام في الغوطة الشرقية؟ وما هي ملامح خريطة المنطقة الجديدة؟

عبد الباري عطوان

التصريحات التي ادلى بها الامير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لمجلة “تايم” يوم امس، واكد فيها ان الرئيس السوري بشار الاسد باق في السلطة، ومن غير المرجح ان يترك منصبه قريبا، تعكس اعترافا على درجة كبيرة من الاهمية بعد سبع سنوات من الحرب الدموية قد يعني اقترابها من نقطة النهاية، وحدوث انقلاب في كل، او معظم، خريطة التحالفات والقوة والضعف في المنطقة برمتها.

الامير بن سلمان ادلى بهذا التصريح اثناء زيارته الحالية للولايات المتحدة، ولقاءاته مع الرئيس الامريكي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في ادارته، مما يعني انه سمع تقييمات استراتيجية امريكية تصب في هذه النتيجة، ولا يجد مناصا غير التسليم بها، واعادة حساباته وحكومته على اساسها.

ما يؤكد ما قلناه سابقا انها، اي تصريحات الامير الشاب هذه، تتزامن مع قرار مفاجيء للرئيس ترامب عبر عنه قبل يومين، وابلغ به مستشاريه اليوم، بسحب القوات الامريكية (2000 جندي) من سورية، وعزز جدية هذا القرار اليوم (السبت) بتجميد 200 مليون دولار كان قد تعهد بدفعها ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الامريكي السابق، اثناء حضوره مؤتمر اعمار سورية في الكويت في شهر شباط (فبراير) الماضي.

***

القيادة السعودية بدأت تدرك استحالة الاطاحة بالرئيس السوري من السلطة قبل عام تقريبا، ان لم يكن اكثر قليلا، وبالتحديد منذ ان اجتمع السيد عادل الجبير وزير الخارجية السعودي بوفد الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل قيادة المعارضة السورية، وكاشفها بأن عليها “التأقلم” مع فكرة بقاء الرئيس الاسد في الحكم والبحث عن افكار جديدة تعكس هذا التحول، وهو الامر الذي كان له وقع “الصدمة”، ودفع برئيس الهيئة السيد رياض حجاب الى الاستقالة، والهجرة الى الولايات المتحدة تحت ذريعة العلاج، ولم تقم لهذه الهيئة واعضائها اي قائمة في حينها.

هناك عدة امور لافتة للنظر في تصريحات الامير بن سلمان لا بد من التوقف عندها:

ـ الاول: انه يؤيد بقاء القوات الامريكية، ويعارض انسحابها من سورية لمواجهة طموحات ايران في تعزيز نفوذها، ويكون لها رأي اقوى بالتالي في مستقبل سورية، ولكن الامنيات شيء والواقع شيء آخر، عندما يتعلق الامر بقرارات الدول العظمى.

ـ الثاني: اعرابه عن تمنياته بأن لا يتحول الرئيس السوري الى “دمية” في يد ايران في مستقبل منطقة “الشرق الاوسط”.

ـ الثالث: ملامح الاستراتيجية التي ستتبناها المملكة العربية السعودية في الملف السوري على ضوء هذا الاعتراف الخطير ببقاء الرئيس الاسد في السلطة، اي المضي قدما في مواجهة النفوذ الايراني.

بالنسبة الى الامرين الاول والثاني، يمكن القول ان العلاقة بين ايران وسورية علاقة تحالفية استراتيجية، لا يمكن، بل لا يجب النظر اليها من منظور “التابع والمتبوع″، اي ان الرئيس الاسد من الصعب ان يكون “دمية” في يد ايران، او غيرها، لانه يتزعم سورية، الدولة التي تملك جذورا حضارية تمتد لاكثر من ثمانية آلاف عام، مضافا الى ذلك ان سورية ظلت دائما تتمتع بشخصية وهوية سياسية مستقلة، مثلها مثل دول المراكز العربية الرئيسية، والا لما حاربت لمدة سبع سنوات، وصمدت في مواجهة اعتى المؤامرات في تاريخ المنطقة، ومن هنا فان خوف الامير السعودي محمد بن سلمان في غير محله في اعتقادنا.

تناولنا للامرين الاولين يقودنا الى الثالث، وهو ما يمكن ان تفعله المملكة العربية السعودية بعد تبلور قناعتها الجديدة هذه في الملف السوري، وكيف ستكون الاسس التي تحكم استراتيجيتها، وبالتالي تحركاتها الاقليمية فيه، اي الملف السوري؟

السيد حسن نصر الله امين عام “حزب الله” وفي خطابه “الانتخابي” الذي القاه الاسبوع الماضي ربما يكون سلط بعض الاضواء على هذه الاستراتيجية بشكل غير مباشر، عندما كشف ان لقاءات سورية سعودية “سرية” كان محورها تحرك سعودي يريد ابعاد سورية عن ايران، وهي لقاءات لم تحقق اي نجاح على حد قوله، وهذا امر غير مستبعد، لان الحرب في سورية لم تصل الى نقطة النهاية بعد، ولانه من اهم دروس القيادة ان لا تغير احصنها وتحالفاتها في ذروة المعركة.

لن يكون مفاجئا بالنسبة الينا ان نشاهد تحولات متدرجة في مواقف القيادة السعودية في الملف السوري، خاصة بعد الانسحاب الامريكي العسكري والسياسي المتوقع، وخسارة المملكة اهم حلفائها العسكريين الميدانيين في الغوطة الشرقية اي “جيش الاسلام” بقيادة السيد محمد علوش.

***

القمة العربية القادمة التي ستعقد بعد اسبوعين تقريبا في الرياض ربما تعكس هذه الاستراتيجية السعودية الجديدة، سواء من خلال توجيه الدعوة للدولة السورية للمشاركة فيها، وهذا احتمال ضعيف، او اصدار توصيات برفع اي قيود او تحفظات على استعادتها للمقعد السوري في الجامعة العربية ومؤسسة القمة مستقبلا، وهذا امر يتحتم الموافقة الرسمية السورية، او تخفيف الحدة في اللهجة تجاهها بالمقارنة مع البيانات الختامية للقمم السابقة، وهذا الخيار هو الاكثر ترجيحا كبداية.

سورية الدولة تتعافى وكذلك سورية الوطن، وها هي الدولة الاعظم التي قادت “المؤامرة” ضدها، وبهدف اسقاط النظام فيها، وتقسيمها، تقر بالهزيمة، وترفع الرايات البيضاء، وتسحب قواتها، وتخذل انصارها دولا كانوا او منظمات، الامر الذي يمهد لخروج “سورية جديدة” اكثر قوة من بين الانقاض، وعلى الجميع ان يجري مراجعاته، ويعيد حساباته بسرعة، وفق هذه المعادلة الجديدة، او هكذا نعتقد.. والايام بيننا.