رسالة “عفوية” من قارئ تستحق الاهتمام والرد ليس منا وانما من الرئيس الاسد.. المعارضة السورية تعترف بطريقة مواربة بالهزيمة العسكرية ولكن ماذا بعد الغوطة؟ وهل نرى مراجعات جدية من جميع الأطراف تقود الى حوار ومصالحة و”سورية جديدة”؟

عبد الباري عطوان

ليس من عادتي الرد او التعليق على الرسائل التي تأتيني من القراء الأعزاء، ومن مختلف الجنسيات، وأماكن مختلفة من العالم، والشق العربي منه على وجه الخصوص، ولكن رسالة واحدة استوقفتني واجبرتني في الوقت نفسه، للخروج عن المألوف، والرد عليها برسالة خاصة، لانها تعكس تطورا جوهريا مهما في الازمة السورية هذ الأيام.

الرسالة التي حملت توقيع “هشام” ووصلت عبر البريد الالكتروني، تقول حرفيا ما يلي:

السلام عليكم

استاذنا الكبير السيد عبد الباري عطوان، بعد اذنك انا شب سوري مغترب بسبب الازمة السورية، ونحنا من الشباب يلي تورطنا بأول الاحداث، وساعدنا على المظاهرات بسوريا.

انت انسان نظرتك واقعية ومنطقية، ورؤيتك للامور دائما صحيحة، والله يطول بعمرك ويعطيك الصحة والعافية يا رب.

عندي سؤال صغير لو سمحت، بعد يلي عم نشوفه من احداث بسوريا هل بتتوقع انه الدولة السورية لح تطلع عفو حقيقي عن يلي ثاروا ضدها، يعني المقصد عفو يكون بيشمل كل الناس،  شكرا الك سلفا أتمنى لك دوام الصحة والعافية، هشام.

هذه الرسالة هزتني لصدقها وعفوية كاتبها، والقضية الهامة التي طرحتها، ولاعتقادي الراسخ بأنها تمثل قطاعا عريضا من السوريين ضاقت بهم سبل الحياة في المهاجر، وعانوا ويعانون من الغربة، وينتابهم حنين مشروع للعودة الى الوطن، ويشعرون بالخذلان وظلم وجحود ذي القربى من الجميع تقريبا، عربا كانوا ام قوى عظمى اغرقتهم بوعود لم تتحقق لأسباب عديدة ليس هنا المجال لسردها او مناقشتها.

من غرائب الصدف ان وصول هذه الرسالة تزامن مع مقال نشره المعارض السوري المعروف الدكتور رضوان زيادة، اليوم الخميس في صحيفة “الحياة” السعودية، تحت عنوان “المعارضة السورية عند مفترق الطريق”، وجه فيه انتقادات غير مسبوقة للهيئة العليا للمفاوضات ومقرها في الرياض، وباقي فصائل المعارضة الأخرى وطالبها بشكل غير مباشر بالاعتراف بالهزيمة العسكرية بعد سيطرة “قوات النظام” على معظم الغوطة الشرقية، بعد شرق حلب، وقوله “ان فكرة المفاوضات انتهت عمليا، فالنظام الذي لم يكن مستعدا للمفاوضات خلال لحظات ضعفه لن يقبل بالمفاوضات الآن، وهو يشعر بالنصر الفارغ بعد الغوطة لا سيما وان روسيا تمثل حماية دائمة له في مجلس الامن وفي كل المحافل الدولية، تحميه من أي محاسبة ممكنة مما يضع المعارضة السورية امام مفترق صعب”، اهم متطلباته في رأيه “وحدة المعارضة سياسيا بعد الهزائم العسكرية التي لحقت بها.. ويجب ان تكون قادرة على تقديم بدائل للشعب السوري، وتقديم بدائل تخدم مصالحها”، ولفت نظري قول الدكتور زيادة “الابشع من الهزيمة هو قبولها والقبول النفسي بنتائجها ولذلك امام الذين هزموا نفسيا من المعارضة ان ينسحبوا، فطريق النضال طويل، وطريق الهزيمة العسكرية اقساها ولكنها لن تكون نهاية الطريق”.

ما نريد الإشارة اليه، بعد نشر نص رسالة السيد هشام، وأهم فقرات من مقالة الدكتور زيادة في رأينا، ان السلطات السورية مطالبة بالرد عمليا، وبنوايا صادقة، على كل الأسئلة المطروحة على السنة المواطنين السوريين، ليس في المنافي فقط، وانما في الوطن أيضا، خاصة تلك المتعلقة بتقديم تصور كامل للمستقبل، وتحقيق جميع المطالب المشروعة في التعايش، وإصدار عفو عام يتضمن ضمانات حقيقة صادقة بعدم الملاحقة، واحترام حقوق الانسان، وفتح أبواب العودة على مصراعيها الى أحضان الوطن، في اطار من التسامح وتنقية القلوب من كل ادران الثأرية والنزعات الانتقامية، ونقول هذا لأنها الأقوى، وهي الأقرب الى الانتصار النهائي اتفق معنا البعض او اختلف.

سورية تعرضت الى ابشع أنواع المؤامرات والتدخلات العسكرية والسياسية، وتورطت فيها قوى عظمى إقليمية ودولية على مدى السنوات السبع الماضية، وكادت هذه المؤامرات ان تحقق اغراضها لولا صمود الجيش العربي والدولة السورية، ودعم الحلفاء الروس والإيرانيين ومقاتلي “حزب الله”، ولكن هذا وقد تحقق الإنجاز يتطلب الامر نظرة اعمق وابعد الى المستقبل.

المعارضة السورية بشقيها العسكري والسياسي، تعرضت لخذلان حلفائها العرب والغربيين، على حد سواء وخداعهم، وهذا الخذلان، الى جانب عوامل أخرى متعددة ابرزها الانقسامات الداخلية، والأيديولوجية، وعدم التبصر بالمؤامرة واضلاعها، أدى الى وضعها الصعب الراهن الذي لا يستطيع احد نكرانه.

القيادة السورية التي باتت تملك أسباب القوة والثقة بالنفس اكثر من أي وقت مضى، مطالبة بالتقدم بمبادرة تجاه أبنائها السوريين في المهجر خاصة، تطمئنهم على المستقبل، وتقدم لهم ليس “غصن زيتون” وانما أشجار من زيتون السلام، لحثهم على العودة الى الوطن، والمشاركة في البناء واعادة الاعمار، وهي تعلم جيدا انهم ينتمون الى شعب خلاق يملك قدرات وعزيمة عالية في هذا الصدد، وقادر على خلق المعجزات.

***

قلناها، ونقولها، ان سورية اكبر من الجميع، وهي قادرة ومؤهلة على احتضان الجميع أيضا، وكانت دائما وستظل ارض التسامح والتعايش، وتاريخها المشرف مليء بالصفحات الناصعة البياض في هذا المضمار.

أتمنى شخصيا ان التقي السيد هشام، كاتب الرسالة، على ارض سورية بعد عودته والملايين من اهله واشقائه اليها، مثلما اتمنى أيضا ان أرى الدكتورة التي صادفتها في برلين قبل أربعة اعوام، وقالت لي انها عادت الى ادلب قبل “الثورة” بأعوام قليلة لتقيم هي وزوجها الطبيب مستشفى كبيرا لمعالجة أبناء شعبها بعد سنوات من الغربة لمعارضتها للنظام، ثم اضطرت مكرهة للعودة الى المانيا وترك كل شيء بسبب الفوضى التي سادت البلاد بعد عام 2011، على حد وصفها، وتنبأت لكل ما حدث من دمار وخراب.

أتمنى ان يعود جميع السوريين الى وطنهم ويشاركون في إعادة بنائه في اطار سورية ديمقراطية تسودها العدالة الاجتماعية، والحريات السياسية والتعبيرية، والقضاء المستقل، في اطار دستور تعددي يكون الضابط والحكم للجميع دون أي تفرقة عرقية او طائفية او طبيقة.

ربما يتهمنا البعض باتهامات كثيرة ابرزها الغرق في أحلام اليقظة، او المثالية، وردنا هو ألم تتوحد المانيا مجددا؟ الم يتوحد اللبنانيون بعد 15 عاما من الحرب الاهلية؟ الم تتوحد أوروبا بعد حروب دموية مزقتها وقتلت 50 مليونا من أبنائها؟ الم يبدأ العراق بالتعافي التدريجي رغم كل التحفظات، والفتن الطائفية والاحتلال الأمريكي؟

اتركونا نحلم.. اتركونا نؤمن بالقول الحكيم تفاءلوا بالخير تجدوه.. من حقنا ان نتفاءل بعد سنوات عجاف من القتل والتحريض والفتن الطائفية التي اغرقتنا في حمامات الدماء وبتوجيه امريكي إسرائيلي.

خسرنا العراق.. وليبيا واليمن وكدنا نخسر الجزائر، وحان الوقت ان نقلص الخسائر اذا لم نستطيع وقفها.