السعودية تتوعد بالرد في المكان والزمان المناسبين على الصواريخ الحوثية.. فهل باتت الحرب وشيكة وكيف؟ ولماذا تشكك بعض الآراء بفشل صواريخ “باتريوت”؟ وما هو الدور المتوقع لحكومة “الحرب الامريكية” بعد اكتمال نصابها؟ وماذا يطبخ الأمير بن سلمان في واشنطن؟

عبد الباري عطوان

ما زالت المملكة العربية السعودية تعيش حالة الصدمة الناجمة عن اطلاق جماعة “انصار الله” الحوثية سبعة صواريخ دفعة واحدة وصلت ثلاثة منها الى قلب العاصمة الرياض فجر امس، وتسببت بشكل مباشر، او غير مباشر، في مقتل مقيم مصري، واصابة ثلاثة آخرين، واحداث إصرار مادية من جراء سقوط حطامها مثلما تفيد الرواية الرسمية، الامر الذي اعتبره الكثيرون تصعيدا للمواجهة قد تترتب عليه نتائج خطيرة.

العقيد ركن تركي المالكي المتحدث باسم قوات التحالف العربي التي تشن هجوما على اليمن منذ ثلاث سنوات، اتهم ايران بتزويد الحوثيين بهذه الصواريخ بعد تفكيكها وتهريبها عبر ميناء الحديدة ومطار صنعاء، وتوعد برد سعودي قوي “في المكان والزمان المناسبين”.

القاسم المشترك لمعظم المقالات لكتاب الاعمدة في الصحف السعودية في الداخل والخارج، هو توظيف عملية اطلاق الصواريخ هذه لإيصال رسالة “للمشككين” بجدوى اطلاق “عاصفة الحزم” قبل ثلاث سنوات، بأن هذا الهجوم الصاروخي يؤكد صوابية قرار القيادة بالتدخل العسكري في اليمن للقضاء على خطر الحوثيين باعتبارها أصبحت “ميليشيا” مشابهة لـ”حزب الله” في لبنان، والحشد الشعبي في العراق، مثلما يبرر خسائر هذه الحرب التي تجاوزت 120 مليار دولار، وكذلك الانفاق العسكري الضخم لشراء معدات عسكرية وطائرات وذخائر تجاوزت 150 مليار دولار في الأعوام القليلة الماضية، لتوفير الاستعدادات اللازمة لمواجهة تبعاتها.

***

السؤال الذي لا يمكن تجنبه في هذا المضمار هو حول كيفية الرد السعودي على هذه الصواريخ التي يطلقها الحوثيون بشكل متواصل على مدن رئيسية في العمق السعودي، وزاد تعدادها عن 104 صاروخ باليستية من مختلف الاحجام والابعاد، وأين سيكون المكان المناسب للرد، ومتى سيحين الزمان الملائم أيضا؟ وهل سيكون الرد سياسيا عبر التفاوض لحل سياسي ينهي الازمة، ام عسكريا يتمثل في محاولة السيطرة على العاصمة صنعاء، وتدمير منطقة صعدة المقر الرئيسي لتيار “انصار الله” بضوء اخضر ودعم امريكي.

قبل الإجابة على هذه التساؤلات المهمة والمشروعة هناك أولوية ملحة تواجه القيادة العسكرية السعودية تتمثل في توفير وسائل الردع الفاعلة للتصدي لهذه الصواريخ الحوثية بعد ورود تقارير نشرت في صحف أمريكية تؤكد عدم جاهزية صواريخ “باتريوت” في التصدي لها وتحييد خطرها بالكامل.

مجلة “نيوزويك” الامريكية نقلت عن جيفري لويس مدير برامج منع انتشار الأسلحة في معهد “ميدلبوري” في كاليفورنيا قوله “انه من خلال تحليل الفيديوهات الأولية المتوفرة لعملية اسقاط الصواريخ الثلاثة التي وصلت الى الرياض يمكن الاستنتاج ان صاروخين من طراز “باتريوت” فشلا في إصابة اهدافهما، الأول انفجر في الجو قبل الوصول الى الصاروخ الذي انطلق لتدميره، والثاني استدار سريعا نحو الأرض بصورة كارثية”.

التشكيك في قدرات وفاعلية صواريخ “باتريوت” هو الذي دفع القيادة السعودية للتوجه الى موسكو والاتفاق على شراء منظومة “اس 400″ الروسية المضادة للطائرات والصواريخ، وفعلت دول عديدة مثل تركيا الشيء نفسه، ولكن تسليم هذه الصواريخ ربما يحتاج الى عدة اشهر، ان لم يكن اكثر، وهذا التوجه السعودي لشراء صواريخ من روسيا يعكس قناعة ميدانية بفشل صواريخ “الباتريوت” او عدم اظهار الكفاءة المأمولة في الدفاع عن العاصمة السعودية، والمدن الأخرى، الامر الذي سيشكل ضربة للصناعة العسكرية الامريكية وهذا النوع من الصواريخ بالذات.

نعود الى سؤالنا في بداية هذا المقال حول كيفية الرد السعودي على الحوثيين أولا، وايران المتهمة بدعمهم ثانيا، ونرجح ان يتركز هذا الرد على جبهتين: الأولى سياسية تتمثل في ضبط النفس والتعاون مع المبعوث الدولي الجديد في حرب اليمن مارتين غريفيث، ومحاولة احياء المبادرة الأممية والعودة الى مائدة المفاوضات خاصة بعد حل عقدة التمثيل المزدوج، وبرأسين للجانب اليمني وبروز “انصار الله” كقوة رئيسية شبه وحيدة، باغتيال الرئيس علي عبد الله صالح، وتفكك حزب “المؤتمر” الذي كان يتزعمه، والثانية التوجه الى المنظمة الدولية لتشكيل لجنة تحقيق لكشف كيفية وصول هذه الصواريخ الى الحوثيين، كمقدمة للتصعيد وربما الرد.

الحرب المباشرة ضد ايران مستبعدة في الوقت الراهن على الاقل، ولكن الحرب غير المباشرة محتملة، وفي الأسابيع والاشهر القليلة المقبلة، فالقرار الأمريكي بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ربما يوفر الأرضية الملائمة لها، لان ترامب بإبعاد ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، واتش ار مكمستر، مستشار الامن القومي، واستبدالهما بمايك بومبيو، رئيس الـ”سي أي ايه” السابق، وجون بولتون العنصري المتشدد، يكون قد اكمل تشكيل وزارة حرب ضد ايران.

قبل عام هدد الأمير محمد بن سلمان في مقابلة تلفزيونية مع الزميل داوود الشريان بأنه لن ينتظر تصدير ايران الحرب الى العمق السعودي، وسيبادر بنقلها الى عمقها، واذا كانت ايران تقف خلف قرار الحوثي بقصف الرياض بصواريخ من صنعها، فانها سبقته في هذا المضمار.

ما قصده الأمير محمد بن سلمان هو تفجير الازمات داخل ايران من خلال حرب استنزاف ودعم الأقليات الطائفية والعرقية المعارضة للنظام الإيراني، مثل البلوش السنة، والاذريين، والاكراد، والقائمة تطول، وفرض عقوبات اقتصادية في الوقت نفسه لانهاك الاقتصاد الإيراني، ولكن محاولات مماثلة أعطت نتائج عكسية، ابرزها اتخاذ قرارات بإغراق الأسواق العالمية بأكثر من مليوني برميل من النفط لخفض الأسعار لتقليص العوائد الإيرانية، مما أدى الى انهيار الأسعار بمقدار النصف وكانت السعودية وحلفاؤها من ابرز المتضررين.

***

السلطات السعودية تخوض حربا سياسية وإعلامية ضد ايران وحلفائها في لبنان (حزب الله)، وفي سورية بدعم الفصائل المعارضة وتسليحها، ونتائج هذه الحرب لم تحقق الغرض المطلوب منها، فها هو “حزب الله” يزداد قوة، وكذلك الحشد الشعبي في العراق، ويمنى “جيش الإسلام”، الحليف السعودي القوي في الغوطة السورية، بهزيمة شبه مؤكدة.

حالتا الهلع والخوف اللتان نجمتا عن الصواريخ الثلاثة التي اطلقها الحوثيون على الرياض، ربما تشجعهم على اطلاق المزيد اذا لم تعطي اؤكلها في احداث مرونة في الموقف السعودي، والدفع بالعودة الى مائدة المفاوضات، ولكن اقدام القيادة العسكرية السعودية على شن هجمات جوية مكثفة وانتقامية على صعدة وصنعاء وتجمعات الحوثيين غير مستبعد أيضا.

الصواريخ الحوثية السبعة الأخيرة قد تؤدي الى واحد من امرين، الأول ان تعجل بإيجاد حل سياسي للازمة اليمنية، او تقود الى تفجير منطقة الشرق الأوسط برمتها، او حرب غير مباشرة واكثر دموية بين السعودية وايران، ولا حل ثالثا في الوسط، ومن يعرف القيادة الشابة الحالية صاحبة القرار الأول والأخير في الرياض، ربما يرجح الامر الثاني أي التصعيد.. والله اعلم.