بعد الاستيلاء التركي على عفرين وسيطرة الجيش السوري على الغوطة الشرقية ما هي الخطوات المقبلة للطرفين؟ وهل الحديث عن “صفقة مقايضة” برعاية روسية يتأكد؟ وماذا يخطط اردوغان لعفرين؟ وكيف استفاد داخليا منها؟ وهل انهارت طموحات الاكراد في حكم ذاتي؟

عبد الباري عطوان

بعد شهرين من القتال الشرس، تمكن الجيش التركي المدعوم ببعض فصائل الجيش السوري الحر (كغطاء)، من احكام سيطرته الكاملة على مدينة عفرين السورية شمال غرب سورية، وقتل 3700 من قوات الحماية الشعبية الكردية، مقابل خسارة 50 جنديا تركيا، وحوالي 400 من مقاتلي الجيش السوري الحر، حسب الاحصاءات التركية الرسمية.

200 الف مدني، نسبة كبيرة من الاكراد، غادروا المدينة قبل وصول القوات التركية، والذين فضلوا البقاء يواجهون ظروفا معيشية صعبة، حتى ان الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون طالب الرئيس اردوغان في مكالمة هاتفية بضرورة السماح بوصول المساعدات الى هؤلاء.

المعركة، اي اقتحام عفرين، في اطار عملية “غصن الزيتون”، جاءت اسهل بكثير من المتوقع، ورفعت من شعبية الرئيس رجب طيب اردوغان بأكثر من تسع نقاط، ومكنته من تحقيق عدة اهداف على درجة كبيرة من الاهمية:

  • الاول: القضاء على اهم قاعدة عسكرية لقوات حماية الشعب الكردية في عفرين، التي كانت تشكل تهديدا محتملا للجوار التركي.

  • الثاني: الانتصار في عفرين عبأ الرأي العام التركي خلف الجيش واردوغان في الوقت الراهن على الاقل.

  • الثالث: استغلت القيادة العسكرية التركية معركة عفرين كتمرين عسكري لاختبار قدرات جيشها في حرب العصابات، وتجريب معدات عسكرية انتجتها المصانع التركية في ميادين القتال من عربات مدرعة وصواريخ، ومدفعية، وطائرات بدون طيار (درونز).

  • الرابع: توجيه ضربة قوية الى طموحات الاكراد في اقامة مناطق حكم ذاتي في شمال، وشمال شرق سورية محاذاة للحدود التركية، وفق مخطط امريكي داعم ماليا وعسكريا.

***

هناك سؤالان لا بد من طرحهما في هذه العجالة يمكن من خلال الاجابة عليهما استقراء تطورات المستقبل في المشهد السوري:

  • الاول: ما هو الهدف القادم للرئيس اردوغان بعد معركة عفرين هذه؟ وهل تدفع روسيا فعلا بتعميق الخلاف التركي الامريكي، وتهيئة الاجواء لمواجهة بين الطرفين في منبج وجرابلس وعين العرب والقامشلي وعفرين وشمال سورية عموما؟

  • الثاني: ماذا ستفعل تركيا في مدينة عفرين نفسها، والى متى ستبقى قواتها فيها، ومن الذي سيشرف على ادارتها، وهل ستفصلها كليا عن سورية؟

السيد نجاتي سنتورك محافظ منطقة كرشهر اجاب بشكل مباشر على السؤال الاول عندما ظهر في شرفة مكتبة يوم الجمعة، حاملا سيف ذو الفقار الذي اهداه الرسول، صلى الله عليه وسلم، الى سيدنا علي بن ابي طالب، كرم الله وجهه، في يده اليمنى، ومكبر الصوت في يده اليسرى، مكبرا “الله اكبر” احتفالا بالنصر، ومعلنا ان القوات التركية ستواصل سيرها بعد عفرين الى الموصل وحتى القدس المحتلة.

بعد القاء هذا الخطاب الحماسي وبصوت جهوري بساعات احيل المحافظ سنتورك الى التقاعد، لانه كشف المستور، وتجاوز بإنفعاله حدود صلاحياته.

تقدم القوات التركية نحو منبج وعين العرب والقامشلي ومناطق تجمع الاكراد في شرق الفرات في شمال شرق سورية، سيصطدم حتما بأكثر من 2500 جندي امريكي يتمركزون فيها، ويشكلون عقبة في طريق هذا الزحف، وتجاهلت الادارة الامريكية كل الطلبات التركية بسحبها، مثلما تجاهلت في الوقت نفسه التهديدات التركية بقصفها.

تمسك الطرفان التركي والامريكي بمواقفهما هذه او تنازل احدهما لمطالب الآخر، والتوصل الى تسوية، كلها عوامل، منفردة او مجتمعة، ستحدد هوية المرحلة المقبلة ليس في سورية فحسب وانما في المنطقة بأسرها.

اما اذا انتقلنا الى السؤال الثاني، المتعلق بالخطة التركية لمستقبل مدينة عفرين، والمناطق التي سيطر عليها الجيش التركي وتزيد عن 2000 كيلومتر مربع، فهناك عدة احتمالات:

  • الاول: ان يتم اعادة توطين 3.5 مليون لاجيء سوري يتواجدون حاليا في مخيمات لجوء في تركيا، وباتوا يشكلون عبئا ديموغرافيا وسياسيا على حكومته في مواجهة احزاب وجماعات قومية تركية عنصرية تطالب بإبعادهم وعدم السماح بوصول اي لاجيء سوري اضافي.

  • الثاني: ان يجعل الرئيس اردوغان من عفرين منطقة “حكم ذاتي” للجماعات والفصائل السورية “العربية” المعارضة للنظام، كبديل لمنطقة الحكم الذاتي الكردي التي كانت قائمة فيها، وربما هذا ما قصده الرئيس اردوغان عندما قال ان منطقة عفرين ستعود الى اهلها الحقيقيين.

  • الثالث: ان تكون عملية الاستيلاء على منطقة عفرين جاءت بهدف خلق منطقة آمنة لاستيعاب الفارين من اهالي محافظة ادلب ومسلحين آخرين، بعد استيلاء الجيش العربي السوري المتوقع عليها، اي توجيه هؤلاء نحو عفرين بدلا من تدفقهم نحو الاراضي التركية المحاذية.

  • الرابع: ان يكون هناك “اتفاق سري” برعاية روسية بعودة المدينة الى السيادة السورية مجددا، وهذا ربما يفسر الصمتين الايراني والسوري الرسمي، على اقتحام المدينة ووجود تفاهمات مسبقة في هذا الصدد، والرئيس اردوغان اكد اكثر من مرة انه لا يريد ضم المدينة الى تركيا، وملتزم بالمحافظة على وحدة التراب السوري.

***

احكام الجيش العربي السوري سيطرته على الغوطة الشرقية في ظل مباركة تركية غير معلنة، واحكام الجيش التركي قبصته بالكامل على عفرين بضوء اخضر روسي، يعكسان ما يتردد عن الصفقة السرية، وما يمكن ان يتوالد عنها من اتفاقات اخرى قد نرى ارهاصاتها في المستقبل القريب.

نقطة التحول الرئيسية التي تقف خلف جميع هذه الصفقات والتفاهمات، التغيير الكبير الذي طرأ على الاولويات التركية في العامين الاخيرين، ويمكن ايجازه بالقول ان القيادة التركية غيرت اولوياتها الاستراتيجية من اسقاط النظام في دمشق بعد سبع سنوات من المحاولات الدؤوبة غير الناجحة، الى منع اقامة حكم ذاتي كردي في شمال سورية يمكن ان يتواصل مع نظيره في شمال العراق وشمال غرب ايران.

هذا التحول الاستراتيجي في الخطط التركية واهدافها لا يتناقض مطلقا مع نظيريه السوري والايراني، بل يتماهى ويتكامل معهما، ولكن السؤال هو حول مدى الالتزام التركي بهذا التحول والمضي في تطبيقه عمليا بالتنسيق مع الشركاء الجدد وبرعاية روسية؟

صفقة مقايضة عفرين بالغوطة الشرقية تترسخ، وتقدم درسا مهما في الحرب السورية حول ما هو سري وما هو معلن.. والله اعلم.