لماذا خرج الرئيس عباس عن الأعراف الدبلوماسية ووصف السفير الأمريكي بـ”ابن الكلب”؟ وهل يعقل ان يصعّد غضبه ضد أمريكا و”حماس″ في الوقت نفسه؟ وما ذنب مليونين من أبناء القطاع حتى يدفعون ثمن هذا الغضب؟ وهل تدهور حالته الصحية سبب فلتان اعصابه؟

عبد الباري عطوان

تعكس التصريحات والاتهامات التي صدرت عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، سواء تلك المتعلقة بالسفير الأمريكي في تل ابيب، او الأخرى التي تضمنت اتهامات لحركة “حماس″ بالوقف خلف التفجير الذي استهدف موكب الدكتور رامي الحمد الله، رئيس الوزراء، في مدخل قطاع غزة، حالة من الإحباط النفسي التي يعيشها، وربما استفحال حالته المرضية أيضا.

لم يكن الرئيس عباس في حاجة الى وصف السفير الأمريكي ديفيد فريدمان بانه “ابن كلب” بعد تصريحه الاستفزازي الذي قال ان المستوطنين اليهود يبنون المستوطنات في ارضهم، فمثل هذه التوصيفات لا تليق به ومركزه، وهو الرجل المعروف بهدوئه واتزانه، وكان يمكن ان يرد بطرق عملية أخرى اكثر فاعلية وايلاما للسفير وحكومته ومستوطنيه.

وحتى اذا أراد الرئيس عباس ان يعبر عن غضبه تجاه هذه الاستفزازات التي فاقت كل المعايير السياسية والأخلاقية بصدورها عن سفير دولة عظمى فمن المفترض ان يكون دبلوماسيا ويختار كلماته بعناية فائقة، فقد كان عليه في الوقت نفسه ان لا يصعّد اتهاماته ضد حركة “حماس″، ويغمز من قناة مصر، ويستعدي حركة “الجهاد الإسلامي”، فالوحدة الوطنية، او الحد الأدنى منها، بات مطلوبا في ظل التغولين الأمريكي والإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة.

***

كنا نتمنى لو ان الرئيس عباس حافظ على هدوئه وضبط اعصابه، وكظم غيظه، ورد على هذا السفير ووقاحته واستفزازاته بإلغاء التنسيق الأمني فعليا، القاء خطاب جماهيري يطالب فيه الشعب الفلسطيني، او وحركة فتح التي يتزعمها على الأقل، بإشعال فتيل الانتفاضة.

وصف السفير الأمريكي “المستوطن” بأنه “ابن كلب”، لن يوقف الاستيطان، ولن يغير موقف ادارته الامريكية من الاعتراف بالقدس المحتلة عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل يعطي نتائج عكسية تماما، ابرزها ظهور القيادة الفلسطينية بمظهر القيادة “المنفعلة” وغير الحضارية، وهذا ما حصل فعلا بالنظر الى ردود الفعل الإسرائيلية والأمريكية على تصريح الرئيس الفلسطيني الخارج عن المألوف، فقد اصبح الشعب الفلسطيني وقيادته المتهمين بالكراهية، اما المستوطنون اليهود فهم حملان وديعة، وحضارية منضبطة في الوقت نفسه.

الرئيس عباس بات مثل النمر الجريح يخبط في جميع الاتجاهات، ولكننا لم نتوقع مطلقا ان يصل به الامر الى “الخروج عن النص” السياسي والدبلوماسي، بهذه الطريقة، خاصة انه قبل أسبوعين فقط استخدم تعبيرا ربما ليس على هذه الدرجة من الخطورة عندما تمنى “خراب بيت” دونالد ترامب في خطاب علني آخر، ولا نعلم على من سيوجه الشتائم نفسها في الخطاب او التصريح المقبل.

هناك “سر ما” لا نعرفه، ويتعلق بالحالة الصحية والنفسية للرئيس عباس، ولا نستبعد ان يكون المرض يكمن خلف انفعالاته هذه، فقد اجرى فحوصات في مستشفى كيلرمونت الأمريكي المتخصص في الامراض المستعصية اثناء زيارته الأخيرة لامريكا، وبعدها صارح أعضاء المجلس الثوري لحركة فتح اثناء اجتماعه بهم بعد عودته قبل اسبوعين بأنه قد يكون هذا اللقاء الأخير معهم، دون أن يحدد، او يعطي معلومات عن ما يكمن خلف هذه الخطوة الوداعية غير المسبوقة.

نحن لا نريد ان نتحدث عن تأثير اتهامات الرئيس عباس لحركة “حماس″ بالوقوف خلف تفجير غزة على المصالحة الفلسطينية، لانه لا توجد مصالحة في الأساس حتى تنهار، ولكننا نربأ بالرئيس الفلسطيني ان يتخذ من محاولة الاغتيال المزعومة والمريبة هذه لتشديد العقوبات على مليوني من أبنائه في القطاع، ووقف كل صور الدعم لهم، خاصة ان اوضاعهم المعيشية ليست على ما يرام، فاذا كان لا يريد ان يموت خائنا متنازلا عن الثوابت الفلسطينية، مثلما قال في خطابه امام المجلس الثوري، فإننا لا نريده أيضا ان يموت وهو متسبب في تجويع أبناء القطاع، وهو يعلم ان اكثر من ثلاثة ارباعهم لا يتناولون الا وجبة واحدة في اليوم، ويشربون المياه الملوثة، ولا تصلهم الكهرباء الا لمدة ساعتين او ثلاثة في اليوم، ولا يجدون الدواء لعلاج مرضاهم.

***

نحن مع الرئيس عباس في غضبه على السفير الأمريكي ورئيسه في واشنطن، ولكننا لسنا مع الرد بالشتائم، وانما بالاجراءات العملية، وهدم المعبد على رؤوس الجميع، فلم تعد هناك عميلة سلام، ولا حل الدولتين، ولا حل الدولة الواحدة، ولا كرامة للشعب الفلسطيني، فماذا ينتظر الرئيس عباس والمجموعة المحيطة به؟

لا نريد ان تنطبق على الرئيس عباس المقولة الاعرابية الشهيرة: “اشبعناهم شتما وفازوا بالابل”، ولا بد انه يعرفها جيدا، وهو المدرس السابق للغة العربية وآدابها.