الروس يستعدون لاول مواجهة مع امريكا في سورية.. والضربة القادمة قد تستهدف دمشق.. الرئيس الاسد يخرج عن صمته ويتعهد بالرد على اي عدوان امريكي.. ولافروف يهدد برد قوي ويحذر من مقتل مستشاريه.. ماذا يجري بالضبط خلف الكواليس؟ اليكم قراءة لما بين السطور

عبد الباري عطوان

من يتابع تصريحات الرئيس السوري بشار الاسد في الايام القليلة الماضية والتحذيرات الروسية المتزايدة من احتمال استغلال القيادة الامريكية لـ”ذريعة” استخدام قوات الجيش السوري اسلحة كيماوية في الغوطة الشرقية، يصل الى قناعة راسخة بأن تطورا عسكريا خطيرا في الازمة السورية بات وشيكا، والمسألة مسألة ايام او اسابيع معدودة.

الرئيس الاسد تعهد اليوم (الاربعاء) بالتصدي لما وصفه بـ”السيناريوهات الغربية لاستهداف سورية”، واكد “ان الحرب على الارهاب لن تتوقف طالما ان هناك ارهابيا واحدا يدنس قدسية التراب السوري”، اما سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسي فأبدى قلقا وسخطا بشأن تهديدات الولايات المتحدة المتزايدة بشن ضربات عسكرية ضد سورية”، مؤكدا “ان بلادة ستتخذ التدابير اللازمة في حال اقدام امريكا على شن ضربات ضد الحكومة السورية ومواقعها لان الاعمال الاجرامية يمكن ان تهدد حياة المستشارين الروس المتواجدين في دمشق، ومواقع وزارة الدفاع السورية”.

ما يمكن استخلاصه من كلام لافروف الذي صدر في بيان رسمي عن وزارة الخارجية، ان اي ضربات امريكية يجري التخطيط لها، ستستهدف العاصمة السورية دمشق، ووزارة الدفاع ومؤسسات عسكرية اخرى فيها مثل مقر قيادة الجيش السوري، التي يتواجد فيها مستشارون عسكريون روس جنبا الى جنب مع نظرائهم السوريين، وهذه هي المرة الاولى التي تشير فيها القيادة الروسية الى هذه الاهداف بالاسم منذ بداية الازمة قبل سبع سنوات، وتوجه مثل هذه الرسائل التحذيرية في الوقت نفسه.

***

على مدى الاسبوعين الماضيين والقيادة الروسية تبدي اعلى مشاعر القلق من معلومات قالت انها مؤكدة، وصلت اليها حول احتمال اقدام فصائل معارضة مسلحة على “اعمال استفزازية” تتمثل في استخدام اسلحة كيماوية، والصاق التهمة بالنظام السوري لتبرير اي ضربة امريكية، وكان لافتا ان الجنرال فاليري غيراسيموف، رئيس هيئة اركان الجيش الروسي، عزز هذه النظرية امس بالاعلان عن اكتشاف معمل لتصنيع اسلحة كيماوية في بلدة افتريس بعد استعادتها من سيطرة المعارضة في الغوطة الشرقية في الايام الماضية.

الضربات الامريكية كرد على اتهامات باستخدام اسلحة كيماوية من قبل الجيش السوري على المدنيين ليست جديدة، ففي شهر نيسان (ابريل) من العام 2017 قصفت القيادة العسكرية الامريكية قاعدة الشعيرات الجوية بأكثر من 59 صاروخ كروز انتقاما لضحايا بلدة خان شيخون في ريف ادلب، لكن الجديد ان اي ضربات جديدة متوقعة، بالصواريخ، قد توجه الى العاصمة السورية نفسها التي كانت “محصنة” طوال السنوات الماضية بفضل “تفاهمات” متفق عليها بين القوتين العظميين.

القيادة الروسية تملك معلومات مؤكدة حول احتمالات خرق واشنطن لكل الخطوط الحمر، وتوجيه ضربات جوية، ليس استعراضية، مثلما حدث في مطار الشعيرات قرب حمص، يمكن ان تؤدي الى مقتل العديد من مستشاريها، ولهذا فان الرد الروسي على هذه الغارات او الضربات سيكون حتميا.

الرئيس فلاديمير بوتين اكد في خطابه السنوي قبل اسبوعين ان روسيا لن ترد على اي عدوان نووي يستهدفها فقط وانما يستهدف حلفاءها ايضا، في رسالة تحذير واضحة للولايات المتحدة منبها ان روسيا باتت تملك صواريخ متقدمة يصعب رصدها والتصدي لها بالتالي.

لا نحتاج الى حهد كبير للتوصل الى حقيقة ان الدول الحليفة لروسيا التي يقصدها الرئيس بوتين، هي سورية وكوريا الشمالية بالدرجة الاولى، وان حمايتها من اي عدوان امريكي بات مسؤولية واستراتيجية روسية حتمية.

لا نستبعد ان يقدم الرئيس ترامب على هذه “الحماقة” فالرجل معروف بتهوره، وعزله ريكس تيلرسون، وزير الخارجية، واحلال مايك بومبيو، اليميني المتطرف والعنصري مكانه، يعزز الآراء التي تقول انه بات محاطا بـ”وزارة حرب” ووزراء يؤيدون تهوره في الغاء الاتفاق النووي مع ايران، وقرع طبول الحرب ضدها وضد سورية معا.

يان ايغلاند، مستشار الامم المتحدة للشؤون السورية، ادلى امس بتصريح غير مسبوق تنبأ فيه بأن الحرب في سورية ستشهد معارك طاحنة في تزامن مع دخولها العام الثامن، وشخص في وظيفته لا يمكن ان يطلق هذا الكلام جزافا ودون الاستناد الى معلومات حول خطط امريكية جاهزة في هذا الشأن.

هذا التشديد الروسي على اتخاذ “التدابير اللازمة” لمواجهة اي عدوان امريكي يعني للوهلة الاولى ان الرد قد لا يقتصر على اعتراض صواريخ امريكية، او اسقاط طائرات مغيرة، باستخدام صواريخ “اس 400″ الروسية المتطورة، بل ربما قصف القوات الامريكية المتواجدة في شمال شرق سورية خاصة اذا سقط بعض المستشارين الروس ضحايا نتيجة الهجوم على دمشق والقواعد العسكرية فيها، وهو احتمال غير مستبعد.

***

الحرب في سورية تعود الى الواجهة بشكل اقوى مع دخولها العام الثامن، ومن الواضح ان الانجازات التي حققها التحالف الروسي السوري الايراني على الارض على حساب التراجع الامريكي باتت مهددة، لان الرئيس ترامب يقرع طبول الحرب، ويرفض القبول بالهزيمة، ويعيد النظر في استراتيجيات بلاده في هذا المضمار.

مرة اخرى نقول اننا لا نملك بلورة سحرية، ولا نقرأ الفنجان، لكننا نتكهن واستنادا الى الوقائع، وقراءة ما بين السطور، بأن المشهد السوري مقبل على تطورات خطيرة، وان صراع الارادات وعض الاصابع بين بوتين ومعسكره من ناحية، وترامب وحلفائه من ناحية اخرى، قد بدأ.. والله اعلم.