الحزب الشيوعي الصيني يلغي “التكاذب الديمقراطي” وينصب رئيسه “ملكا” مدى الحياة.. لماذا جاء هذا التغيير المفاجيء الذي يكرس حكم الزعيم الأوحد؟ وما هي انعكاساته عربيا؟

عبد الباري عطوان

عادت الصين امس الى حكم “الزعيم الأوحد” المفتوح النهايات عندما اقرت الجمعية الوطنية للحزب الشيوعي الحاكم تعديلا دستوريا يلغي “قيد” الفترتين الرئاسيتين، ويمنع الرئيس شي جين بنغ، حق البقاء في منصبه مدى الحياة.

كان لافتا ان نائبين اعترضا على هذا التعديل، بينما امتنع عن التصويت ثلاثة نواب من مجموع ما يقرب من ثلاثة آلاف مندوب شاركوا في التصويت على التعديل الدستوري المذكور آنفا.

الرئيس الصيني السابق، الملقب بـ”ابي الإصلاح” دنغ تشاو بينغ، هو الذي ادخل هذه الفقرة المقيدة في الدستور عام 1982، إدراكا منه لخطر حكم الرجل الواحد، وخطر عبادة الشخص، ورغبة منه في تكريس مبدأ القيادة الجماعية بالتالي.

***

الامر المؤكد ان الرئيس الصيني الحالي جين بينغ (64 عاما) سيعيد الصين الى حكم الرجل الواحد، وعلى غرار ماوتسي تونغ، ولكن بعد ترسيخ إصلاحات اقتصادية جعلت الصين ثاني اكبر قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة، وستحتل المرتبة الأولى في غضون بضعة أعوامـ تحت عنوان “الخصوصية الصينية”.

ربما يعترض كثيرون على هذه الخطوة، لانها تعني تحويل الصين الى ملكية شيوعية، ولكن دون توريث الحكم للأبناء، ولكنها في الوقت نفسه تنهي نظرية “التكاذب” الديمقراطي في العديد من دول العالم خارج المنظومة الرأسمالية الغربية، والوطن العربي على وجه التحديد، وتوقف “مهزلة” تعديل الدساتير لمد فترات الرؤوساء في الحكم حتى الانتقال الى الرفيق الأعلى.

معظم البلدان العربية تلجأ الى تبني هذه الملكيات الجمهورية، ولكن بالتقسيط المريح، أي من خلال ادخال عدة تعديلات على الدستور لتمكين الرئيس من البقاء في الحكم لعدة فترات، وحتى اليوم الأخير من حياته، فاذا نظرنا الى روسيا مثلا، نجد ان الرئيس فلاديمير بوتين كان الحاكم الفعلي للبلاد حتى عندما كان رئيسا للوزراء، وظل دور دميتري ميدفيديف شكليا، ودون أي اصلاحيات رئاسية، وانتهى الامر بتبادل الأدوار بين الرجلين وعودة بوتين الى سدة الرئاسة، وغالبية أنظمة الحكم العربية سواء الحالية، او المطاح بها، لجأت الى أسلوب “التكاذب” نفسه، والالتفاف على الدستور، في سورية والعراق وتونس واليمن والجزائر ومصر والقائمة طويلة.

***

اذا نظرنا الى معظم الانتخابات في الدول العربية نجد انها في معظمها تتمخض عن نتائج معروفة نتائجها مسبقا، أي فوز الرئيس وحزبه الحاكم، ولنا في مصر وانتخاباتها السابقة واللاحقة خير مثال، فالرئيس عبد الفتاح السيسي اختار منافسا ضعيفا مجهولا بعد ان أطاح بكل المرشحين الأقوياء الآخرين، وزج ببعضهم في السجون، وكان الأفضل له اختصار هذه المسرحية، وتعديل الدستور بالطريقة التي جرى فيها تعديل الرئيس الصيني، وسط تصفيق حاد بعد اعلان النتائج، ولعل النائب مصطفى بكري الأكثر تصويرا لواقعية الحالة المصرية هذه، عندما طالب بانتخاب الرئيس السيسي رئيسا مدى الحياة.

ما يشفع للرئيس الصيني جين بينغ في نظر الكثيرين انه جعل من بلاده دولة عظمى اقتصاديا وسياسيا، وحارب الفساد، وبدأ يخفف من إجراءات التقشف المفروضة على الشعب الصيني منذ نصف قرن، ولكن نظرائه العرب زادوا من شعوبهم فقرا، واقتصادهم تراجعا، وحملوا الشعب مسؤولية فشلهم على شكل ضرائب ورسوم، وإلغاء الدعم على السلع، والخدمات الأساسية، والشيء الوحيد الذي تقدم هو القمع والاضطهاد ومصادرة الحريات والفساد.

اخطر ما في هذه التعديلات الصينية انها ستستخدم نموذجا ومثلا في منطقتنا تحتذي به أنظمة لتبرير سياساتها الفاشلة، وتشريع سياسات القبضة الحديدية، أي سيأخذون من التجربة الصينية تكريس حكم الزعيم الفرد، ودون الجانب المشرف منها، وهو الإنجازات الاقتصادية والعسكرية التي حولت الصين الى دولة عظمى مرهوبة الجانب في عقود معدودة.