لماذا يعتبر الأمير بن سلمان “تركيا العثمانية” الضلع الأخطر في محور الشر الثلاثي؟ وهل منع مسلسلاتها سيحد من تمددها الاستراتيجي في المنطقة؟ ولماذا لم يؤيد اردوغان حرب اليمن مطلقا.. هل هو التحالف “المتوقع″ بين المرجعيات “الهاشمية” و”العثمانية” و”قمّ”؟

عبد الباري عطوان

اظهر الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي الخلاف السعودي التركي الى العلن، عندما اكد لمجموعة من الصحافيين المصريين التقاهم في منزل سفير بلاده في القاهرة، ان ايران وتركيا والجماعات الدينية المتشددة تشكل المحور الحالي للشر في المنطقة، واتهم تركيا بمحاولة احياء الخلافة الإسلامية العثمانية.

رغم ان السفارة السعودية في انقرة وصفت التقارير المتعددة التي نشرتها واذاعتها عدة صحف ومحطات تلفزة مصرية بأنها “مختلقة”، وقالت “ان الأمير بن سلمان كان يشير الى ما يسمى بجماعة “الاخوان المسلمين” والجماعات المتطرفة، فان ما ذكره الأمير بن سلمان لم يكن “زلة لسان”، وانما جاء انعكاسا لموقف استراتيجي “يتبلور” من قبل الدول الأربع السنية الرئيسية المقاطعة لدولة قطر، يرى في تركيا، وقيادتها الحالية الممثلة في الرئيس رجب طيب اردوغان، تهديدا لها ولأمنها واستقرارها.

مسؤول خليجي كبير التقى بعدد من الدبلوماسيين في عاصمة أوروبية الأسبوع الماضي قال بالحرف الواحد ان هذا التحالف الرباعي (السعودية والامارات، مصر والبحرين) يعتبر تركيا اكثر خطورة من ايران بسبب سياستها التي تريد الهيمنة على المنطقة بأسرها، وتحويل إسطنبول الى مرجعية ونموذج للعالم الإسلامي بشقيه السني والشيعي معا، وتتبنى الإسلام السياسي المتمثل في حركة “الاخوان المسلمين” العابرة للحدود والقارات.

***

الرئيس اردوغان اقام نموذجا يراه الكثير من الإسلاميين قدوة تحتذى لانه يرتكز على اربع أسس: الإسلام المعتدل والمتسامح، والديمقراطية، والعلمانية، والنمو الاقتصادي، وانعكس ذلك في محاكاة العديد من الأحزاب الإسلامية له، بل واقتباس اسم “العدالة والتنمية”، اسم الحزب الحاكم في تركيا الذي قدم هذا النموذج، ويعمل على نشره في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص والعالم الإسلامي بشكل عام، بكل الوسائل السياسية والثقافية والاقتصادية، متبعا نهج المسلمين الأوائل في نشر الاعلام في آسيا وغيرها.

تبني الرئيس اردوغان للإسلام السياسي، ودعمه لحركة “الاخوان المسلمين”، وفتح أراضي بلاده لها، ولأجهزتها الإعلامية، يأتي في اطار هذه الاستراتيجية، الامر الذي يثير قلق المملكة العربية السعودية ومصر والامارات، الدول التي تتبنى سياسات معادية لهذه الحركة، وتمددها في المنطقة، بل وتعتبرها اكثر خطورة من “الدولة الإسلامية” وتنظيم “القاعدة”، لإرثها التاريخي الذي يمتد لأكثر من ثمانين عاما، وقاعدتها الشعبية العريضة.

هناك اربع مرجعيات إسلامية سنية في المنطقة، مرجعية الحجاز (مكة المكرمة والمدينة المنورة) وهي الأولى، ومؤسسة الازهر الشريف وهي الثانية، و”الهاشمية” في الأردن وشمال اليمن وهي الثالثة، والمرجعية العثمانية وعاصمتها إسطنبول وهي الرابعة، وهناك مرجعية إسلامية خامسة تتمثل في كل من النجف الاشرف في العراق، وقمم في ايران.

الحروب بين المرجعيات لم تتوقف مطلقا طوال القرون العشر الماضية، ابتداء من الصراع الصفوي العثماني (1636 ـ 1623)، ومرورا بدولة الفاطميين في مصر عام (969م ـ 1171)، وانتهاء بدخول إبراهيم باشا الدرعية عاصمة الدولة السعودية وتدميرها عام 1819م، وبين هذه المحطات الكبرى هناك العديد من المحطات والصراعات الصغيرة، والتحالفات العابرة السريعة، ما زالت تطل برأسها في هذه الأيام، مثل التحالف الهاشمي العثماني الوليد وبين الازهر ومكة المكرمة.

الرئيس اردوغان لم يخف مطلقا طموحاته في إعادة احياء امبراطورية الخلافة العثمانية، وكنت شاهدا على اهم مهرجان في هذا الصدد، عندما دعيت لحضور آخر مؤتمر لحزب العدالة والتنمية يترأسه الرئيس اردوغان (لانتهاء فترته) أقيم في ملعب لكرة السلة في انقرة في أيلول (سبتمبر) عام 2012، وكان من ابرز ضيوفه المدعوين الرئيس المصري السابق محمد مرسي، والسيد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس″ في حينها، والسيد مسعود البارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق واثيل النجيفي محافظ الموصل ونخبة من قادة الأحزاب الإسلامية.

ما لفت نظري ان الرئيس اردوغان في خطابه الحزبي “الوداعي”، نطق بأسماء جميع الخلفاء العثمانيين الواحد تلو الآخر، وسط تصفيق وهتافات غير مسبوقة من أعضاء الحزب الذين امتلأ بهم الملعب وفاق عددهم خمسة آلاف عضو على الأقل.

الحلفاء الأربعة اكتشفوا خطورة العثمانية التركية بعد “ثورات” الربيع العربي، وتدمير سورية وقبلها العراق، ولعبوا دورا فاعلا في عملية التدمير هذه، وضخ عشرات المليارات من الدولارات والأسلحة جنبا الى جنب مع تركيا الإسلامية “الاخوانية” وتحت رعاية المظلة الامريكية، أي ان تركيا اردوغان لم تتغير وثابته وهم المتحولون.

الرئيس اردوغان، اتفقنا معه او اختلفنا، (منعني من دخول بلاده)، يملك مشروعا سياسيا استراتيجيا متكاملا، ويسخر الاقتصاد والثقافة، علاوة على القواعد العسكرية لخدمة هذا المشروع وتطويره، فقد استغل ثغرة الخلاف القطري مع الدول الأربع لإقامة قاعدة عسكرية في منطقة العيديد في قلب الخليج العربي، قوامها 30 الف جندي، والعدد في تزايد، وانتزع السودان من التحالف العربي في حرب اليمن، واسس قاعدة عسكرية اقتصادية في منطقة سواكن على شواطئ البحر الأحمر، وأخرى قبلها في الصومال، ووقع اتفاقات تجارية استراتيجية مع الجزائر وموريتانيا، واستضاف قمة إسلامية في إسطنبول جمعت ممثلي ثلاث مرجعيات، الهاشمية (الملك عبد الله الثاني، الذي صلى على النبي العربي الهاشمي في كبته في الاجتماع، وقمّ (حسن روحاني)، الى جانب المرجعية العثمانية الممثلة في شخصه.

ولا نعتقد ان امتناع تركيا والأردن عن تأييد حرب المحور العربي السعودي في اليمن جاء من قبيل الصدفة، وانما في اطار حسابات دقيقة، وينسى كثيرون ان حركة “انصار الله” الحوثية ترفع الاعلام الهاشمية.

وكان لافتا ان الرئيس اردوغان حرص على علاقات وثيقة مع ايران وجارتها العراق، وها هو يستعد لاستضافة قمة ثلاثية يحضرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإيراني روحاني، واختار لها مدينة إسطنبول، وليس العاصمة “العلمانية” انقرة.

فاذا كانت تركيا العثمانية تشكل خطرا اكبر من الخطر الإيراني، فلماذا عملت دول التحالف الأربع على المشاركة في الحرب على سورية، وقبلها العراق اللتين كانتا تشكلان مدماك المشروع العربي؟

***

الفرق بين العثمانية التركية وخصومها الجدد ان الأولى تملك استراتيجية وبرامج تطبيق ثابته ومدروسة، اما الثانية فكل سياساتها وتحركاتها تقوم على أساس ردود الفعل، ومعظمها متقلبة ولا تملك رؤية بعيدة المدى، وتحالفاتها “هوائية” و”متغيرة”.

التحالف مع إسرائيل لن يدفع بها لضرب ايران، نيابة عن حلف الاعتدال العربي، ولا نعتقد ان منع بث المسلسلات التركية سيوقف التمدد الثقافي والسياسي والعسكري التركي في المنطقة، ليس لان هذا المنع جاء متأخرا، وبعد ان اعطى اؤكله وانما لان هناك محطات تلفزيونية عديدة ستتلقف هذه المسلسلات وتتولى عرضها في ظل فضاء اعلامي مفتوح، وضعف البدائل المصرية والسورية الأخرى لأسباب ليس هنا المجال لسردها.

الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي ارتكبه اردوغان فيتمثل في رأينا في وقوعه في المصيدة السورية، والخطأ الاستراتيجي الأكبر والأكثر فداحة الذي ارتكبه خصومه الجدد انهم وقعوا في المصيدة نفسها وهم مفتوحو الاعين، وكانوا كمن يطلق الرصاص على قدمه.

السؤال هو: من سيفوز في سباق المصالحة مع سورية التي تسير بخطى متسارعة على طريق التعافي، وبمساعدة الحليفيين الإيراني والروسي، ويرمم أخطاءه الاستراتيجية بالتالي، تركيا ام خصومها؟ السباق بدأ فعلا، ولعب المنتخب السعودي الأخضر مباراة كروية على ارض العراق وسط استقبال حافل بعد عقود من القطيعة، مؤشر مهم في هذا السياق.. ونترك الإجابة للشهور المقبلة؟