ماذا يقصد بوتين عندما يتعهد بالرد على أي هجوم نووي على بلاده او أي من “حلفائها”؟ وهل سورية وايران من بينهم؟ ولماذا اختار هذا التوقيت لاستعراض عضلاته الصاروخية العابرة للقارات والمزودة برؤوس نووية ولا يمكن اعتراضها؟ هل استوعب ترامب ونتنياهو هذه الرسالة؟

عبد الباري عطوان

في خطابة الذي القاه اليوم في قاعة المؤتمرات وسط موسكو، وفي حضور النخب السياسية والعسكرية، كشف الرئيس فلاديمير بوتين عن مجموعة من الأسلحة والصواريخ الباليستية التي يمكن ان تحمل رؤوسا نووية قادرة على الوصول الى اي مكان في العالم دون ان يتمكن أي احد في اعتراضها.

الأهم من ذلك في رأينا، ان الرئيس الروسي الذي عرض شريط فيديو على شاشة ضخمة في القاعة يتضمن استعراضا لهذه الصواريخ، اكد “ان روسيا ستعتبر أي هجوم نووي على حلفائها هجوما عليها وسترد عليه فورا دون أي تردد”.

هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها الرئيس بوتين متحديا، ومهددا ومعززا تهديداته بأسلحة حديثة وصواريخ عابرة للقارات منذ توليه السلطة، مما يوحي بأنه يستشعر إمكانية انتقال الحرب الباردة الى أخرى ساخنة، وينطلق من معلومات استخبارية تشير الى احتمال تعرض أحد حلفاء روسيا الى هجوم نووي.

***

الامر المؤكد ان هذه الرسالة موجهة الى أمريكا، وربما الى إسرائيل أيضا، فالأولى هددت بإعلان الحرب على كوريا الشمالية التي اجرت تجارب مكنتها من امتلاك رؤوس نووية، وطورت صواريخ باليستية عابرة للقارات وتستطيع الوصول الى العمق الأمريكي، اما الثانية فقد تكون موجهة الى إسرائيل التي يقرع رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، وبدعم امريكي، طبول الحرب ضد ايران.

التقارير الاستخبارية لمؤتمر ميونخ الأمني الذي انعقد قبل يومين، ويعده نخبة من الخبراء الاستراتيجيين، اعطى صورة متشائمة بسبب تزايد حدة الصراع الروسي الأمريكي في ثلاث مناطق توتر رئيسية هي كوريا الشمالية وايران وسورية، ووصف سياسات الرئيس دونالد ترامب المتهورة بأنها تقود العالم الى حافة الهاوية.

القيادة الروسية عارضت بشدة التهديدات الامريكية لكوريا الشمالية، وايدت حق الأخيرة في التحول الى قوة نووية، وإنتاج صواريخ عابرة للقارات في إطار الدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الامريكية، ولعل تأكيد الرئيس بوتين بأنه سيرد على أي هجوم نووي تتعرض له بلاده واي من حلفائها، تحذير واضح للرئيس ترامب من الاقدام على أي حماقة عسكرية.

لا نستبعد ان تكون سورية ميدان مواجهة امريكية روسية أيضا، او ذريعة لشن عدوان إسرائيلي على ايران، فنتنياهو يعتبر وجود أي قاعدة عسكرية إيرانية في الأراضي السورية بمثابة “اعلان حرب”، ووصف ايران واذرعتها العسكرية بأنها اكبر تهديد ليس لإسرائيل فقط وانما العالم بأسره، وهدد بالتدخل عسكريا ضدها اذا “لزم الامر”.

الرئيس بوتين وقيادته العسكرية يشعران بالقلق من التحركات الامريكية على الارض السورية، ويخشيان من تكرار واشنطن للسيناريو الجهادي الافغاني فيها، بعد تصريحات صدرت عن ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي، شدد فيها على ان الوجود العسكري في سورية (2500 جندي) سيكون دائما.

الجنرال الكسندر فينيديكتوف، مساعد امين عام مجلس الامن الروسي، كشف امس عن وجود 20 قاعدة عسكرية أمريكية في مناطق تقع تحت سيطرة قوات سورية الديمقراطية في شمال غرب سورية، من بينها قاعدة جوية في مدينة الطبقة قرب مدينة الرقة، وأخرى في مدينة التنف، في المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، حيث يجري تدريب قوات خاصة على غرار قوات “الصحوات” العراقية في عام 2008، اثناء الاحتلال الأمريكي.

روسيا تخشى من هجمات تقدم عليها جماعات “جهادية” مسلحة، وتستهدف قاعدتيها البحرية في طرطوس، والجوية في حميميم، وأول انذار في هذا الخصوص تمثل في هجوم بطائرات مسيرة بدون طيار قصفت القاعدة الأخيرة (حميميم) بصواريخ متطورة، وبعد فحص احدى الطائرات التي جرى السيطرة عليها، تبين انها من النوع المتقدم جدا، والمزودة بأجهزة حديثة، لا تمتلكها الا دولة عظمى في وزن الولايات المتحدة.

***

الرئيس ترامب يرش المازوت على نيران التوتر في العالم، ومن المتوقع ان يقدم في الأشهر القليلة المقبلة على الغاء الاتفاق النووي مع ايران، مثلما تم الغاء المعاهدة الصاروخية مع روسيا، مما يجعل احتمالات الصدام واشعال نار الحروب واردة، ولا نستبعد ان تكون دولة الاحتلال الإسرائيلي من يشعل فتيلها، وتهرع أمريكا لنجدتها مثلما كشف ديك تشيني، نائب الرئيس جورج بوش في احد تصريحاته قبل تسعة أعوام.

روسيا استعادت معظم عناصر قوتها، وأصبحت قوة عظمى مرهوبة الجانب مجددا، ويتزعمها رئيس استطاع ان يضعها على خريطة العالم مجددا في المكان الذي تستحق، وخطابه القوي وغير المسبوق، الذي يعكس ثقة بالنفس تستند الى قدرات عسكرية متطورة جدا يشكل تدشينا لمرحلة جديدة عنوانها الزعامة العالمية.

روسيا بوتين ليست روسيا غورباتشوف، صاحب البيرستوريكا الانهزامية، ولا هي روسيا يلتسين الذي لا يفوق من الثمالة.. روسيا اليوم تقول “لا” كبيرة للغطرسة الامريكية، وتؤكد ان مرحلة تفردها بالعالم قد انتهت الى غير رجعة.

عندما تستخدم روسيا والصين “الفيتو” المزدوج” ضد المخططات الامريكية في سورية في مجلس الامن الدولي، فإن على أمريكا وحلفائها ادراك ان العالم تغير وبشكل جذري.