ثلاثة خيارات تشكل المخارج لانهاء الحرب في الغوطة الشرقية كليا.. ما الذي دفع الجعفري للتهديد بحلب ثانية؟ وما مدى جدية التهديدات البريطانية بالرد عسكريا على استخدام أسلحة كيماوية؟

عبد الباري عطوان

هناك ثلاثة خيارات موضوعة على مائدة “اللاعبين الرئيسيين” في ازمة الغوطة الشرقية سياسيا وعسكريا، ستحدد طبيعة التطورات في الأيام القليلة المقبلة:

  • الأول: ان يخرج المسلحون الذين ينتمون الى التنظيمات المتطرفة مثل “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقا)، و”القاعدة” و”الدولة الإسلامية”.

  • الثاني: ان يخرج المدنيون الذين يتراوح تعدادهم بين 300 و400 الف شخص، وهذا رقم كبير بكل المقاييس، ويحتاج الى استعدادات لوجستية لإيوائهم واطعامهم وعلاجهم.

  • الثالث: ان يستمر القصف الجوي والارضي الصاروخي من قبل التحالف الروسي السوري الإيراني وطائراته، وسقوط الضحايا من المدنيين.

الهدنة التي اعلنها الرئيس فلاديمير بوتين وتستمر خمس ساعات يوميا عكست الخيار الأول، أي خروج المدنيين، للوصول الى الخيار الثاني، أي اجلاء المسلحين، ويبدو ان هذا “التكتيك الروسي” بدأ يعطي ثماره الأولية.

***

السيد بشار الجعفري السفير السوري في الأمم المتحدة الذي يعتبر من ابرز صقور النظام، يفضل الخيار الثالث، فيما يبدو، عندما قال “نعم.. سنحول الغوطة الشرقية الى حلب ثانية.. وقوات جيشنا العربي السوري مصرة على استعادة جميع أراضي الغوطة”.

ما يدفع السيد الجعفري للادلاء بهذا التهديد امران، الأول ان حكومته باتت في حرج شديد امام مواطنيها في العاصمة دمشق التي تعرضت لسقوط 114 قذيفة هاون اطلقتها الجماعات المتشددة المصنفة على قائمة الإرهاب في الأسبوع الماضي فقط، مما أدى الى مقتل 17 شخصا بينهم أطفال، اما الثاني فيعود الى اكتساب الجيش السوري خبرة عملياته ضخمة اثناء هجومه لاستعادة حلب الشرقية ويريد السيناريو نفسه في الغوطة الشرقية، اعتمادا على هذه الخبرة.

اختراق الهدنة اليوم الثلاثاء استمر، وتبادل الطرفان الاتهامات في هذا الإطار، وقال متحدث روسي ان قوات المعارضة المسلحة قصفت الممر الآمن الذي من المفترض ان يستخدمه المدنيون للخروج من مناطق القتال للنجاة بأرواحهم، وردت المعارضة المسلحة بإتهام النظام بالوقوف خلف هذا القصف، وضاعت الحقيقة بين الاتهامين.

الفصائل الرئيسية الثلاثة التي تصنف في خانة الاعتدال (حتى الآن)، وهي “جيش الاسلام”، و”فليق الرحمن”، و”احرار الشام” وضعت خلافاتها جانبا، وأعلنت استعدادها لإخلاء مقاتلي “النصرة” وعائلاتهم من المنطقة خلال 15 يوما، وجاء هذا العرض في اتصالات سرية جرت بين السيد محمد علوش، رئيس تنظيم “جيش الإسلام” ودبلوماسيين روس.

حملات “التهييج” الإعلامي التي تستخدم ضحايا الغوطة من المدنيين الأبرياء خفت حدتها بشكل ملموس بعد الاعلان عن هذا الاستعداد للمغادرة، والاتصالات السرية التي تقف خلفه، كما ان كثافة القصف للاحياء المدنية التي يتواجد فيها المسلحون قد انخفضت حدته أيضا، مما يعني ان احتمالات الانفراج والالتزام بإتفاق إطلاق النار وفق قرار مجلس الامن رقم 2401 باتت كبيرة.

الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون باتوا خارج الصورة تماما، واصبح الرئيس الروسي بوتين هو اللاعب الرئيسي دون منازع، وعكست تصريحات بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني التي ادلى بها اليوم لمحطة “بي بي سي” حالة التهميش هذه، عندما هدد بأن بلاده ستبحث المشاركة في الضربات العسكرية الامريكية ضد الحكومة السورية اذا ظهر دليل يثبت استخدام أسلحة كيماوية ضد المدنيين في الغوطة، بينما اتهمت واشنطن روسيا بأنها تشعل الحرائق وتحاول القيام بدور شرطة الإطفاء، وتزعزع استقرار المنطقة بالتالي.

وجود هذا الدليل من عدمه يعتمد على الرئيس ترامب ودرجة الغضب التي يعيشها تجاه تهميش دور بلاده في ملف الغوطة، وقبلها حلب، ولا نعتقد انه يحتاج الى الدليل على استخدام الأسلحة الكيماوية لإرسال صواريخ الكروز مثلما فعل عندما قصف قاعدة الشعيرات الجوية في نيسان (ابريل) الماضي، واذا احتاجها، فإن هناك وسائل عديدة لإيجادها.

***

لم تحتاج قوات الجيش السوري لاي أسلحة كيماوية لاستعادة حلب الشرقية، وبعدها دير الزور، ومن غير المعتقد انها ستحتاجها لاستعادة الغوطة الشرقية التي حشدت اكثر من مئة الف جندي لاستعادتها والقضاء على تواجد المسلحين فيها، (الحكومة السورية نفت دائما استخدامها لمثل هذه الأسلحة).

خروج مقاتلي جبهة النصرة وحلفائها من الغوطة الشرقية قد يكون الحل المرضي لجميع الأطراف، واذا رفضت هذا الخروج فإنه من غير المستبعد ان نرى الفصائل “المعتدلة” تقاتلها جنبا الى جنب مع قوات الجيش السوري، تحت عنوان الالتزام باتفاقات منظومة آستانة حول مناطق خفض التوتر التي وقعت عليها بعد مفاوضات مباشرة مع وفد النظام السوري بقيادة السيد الجعفري.

بقاء المدنيين والمسلحين جنبا الى جنب في الغوطة الشرقية امر غير مقبول للتحالف الروسي السوري الإيراني الذي يعتبرهما مثل الماء والزيت لا يمكن خلطهما، خاصة اذا تزاوج بقصف العاصمة دمشق بقذائف الهاون، ولهذا فك الارتباط بات وشيكا حقنا للدماء، وبموافقة جميع الأطراف.. والله اعلم.