اربعة أسباب وراء استمرار المعارك في الغوطة الشرقية.. لماذا نأى تنظيما “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” بنفسيهما عن “الإرهابيين” والتزما بقرار مجلس الامن؟ وهل سيناريو حلب ما زال الأكثر ترجيحا؟ ومتى سيتوقف سقوط قذائف الهاون على العاصمة؟

عبد الباري عطوان

احتدمت حدة المعارك في الغوطة الشرقية اليوم بعد ساعات من صدور قرار عن مجلس الامن الدولي ينص على وقف القتال، وإعلان هدنة لمدة ثلاثين يوما، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية لاكثر من 400 الف من أهالي المنطقة المحاصرين.

صحيح ان حدة القصف الجوي قد خفت بإعتراف المرصد السوري لحقوق الانسان المقرب من المعارضة، ولكن الجيش العربي السوري مصمم على مواصلة القتال حتى السيطرة على جميع المناطق التي تطلق منها القذائف على احياء في العاصمة دمشق، وتؤدي الى مقتل واصابة العديد من المدنيين.

***

هناك عدة بنود في القرار الاممي الذي تأجل صدوره عدة مرات لتجنيب “الفيتو” الروسي، وعلاوة على حدوث تغيرات مفاجئة في طريقة التحالفات للفصائل المسلحة المعارضة للنظام ستحدد تفاصيل المشهد السوري العريضة في الأيام والاسابيع المقبلة:

  • أولا: القرار الدولي لا يشير مطلقا الى تاريخ محدد، ومتفق عليه، لبدء سريان وقف اطلاق النار، وجرى استخدام تعبير “في اسرع وقت ممكن”، وهي عبارة مطاطة تحتمل تفسيرات عدة، والوقت الآن غير ملائم حتما في نظر القيادة السورية وحلفائها، ولذلك ستستمر المعارك.

  • ثانيا: القرار فرّق بطريقة واضحة بين الفصائل “المعتدلة” والأخرى “الارهابية” واستثنى الأخيرة التي تشمل “النصرة”، “الدولة الإسلامية” و”القاعدة”، من وقف اطلاق النار، واباح مواصلة القتال حتى القضاء عليها او خروجها من المنطقة.

  • ثالثا: نأي كل من “جيش الإسلام” (المدعوم من السعودية)، و”فيلق الرحمن” (المقرب من قطر وتركيا) بنفسيهما عن الجماعات المصنفة ارهابيا، وإصدارهما بيانات تؤكد التزامهما بإتفاق وقف النار، وتسهيل دخول المساعدات الانسانية وحمايتها، وهذا تطور مهم يجعلهما اكثر اقترابا من الآليات الدولية، ويقربهما من لعب دور في العملية السياسية مستقبلا.

  • رابعا: تصاعد حدة القتال الداخلي بين هيئة تحرير الشام (النصرة) وبين ائتلاف “جبهة تحرير سورية” الذي يضم فصائل مسلحة مثل فصيل نورالدين زنكي، و”احرار الشام” في ريف ادلب، في صراع على النفوذ، ونجاح الأخيرة في الاستيلاء على 26 مدينة وبلدة وقرية، مما يجعل من سيطرة جبهة “النصرة” على الدلب في موضع الخطر.

من الواضح ان تأييد “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن” لقرار مجلس الامن والالتزام بالهدنة، يعني انهما مع قضاء الجيش السوري على الجيوب التي تسيطر عليها الفصائل المصنفة إرهابية، واعطائهما الضوء الأخضر للقضاء عليها، او إخراجها من المنطقة، أي ان مصالحهما تلتقي مع مصالح هذا الجيش، وان الدول التي تدعم هذين الفصيلين الرئيسين، مثل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية، مثلما تفيد الانباء، تؤيدان هذا التوجه، بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

التحالف الروسي السوري الإيراني اتخذ قرارا برد الاعتبار الى اتفاق تخفيف الصراع في الغوطة الشرقية، وتأمين العاصمة كليا من أي قصف بقذائف الهاون الذي تصاعدت حدته في الاسابيع الأخيرة من قبل مقاتلي “النصرة” و”الدولة الإسلامية” خصوصا، واكد الجنرال محمد باقري، رئيس هيئة اركان الجيش الإيراني، اليوم “ان الهدنة لا تشمل الأجزاء التي يسيطر عليها الارهابيون ولذلك الحرب ستستمر حتى القضاء عليهم”.

المتحدثون السياسيون والعسكريون باسم الحكومة والجيش السوري يحرصون على التأكيد بأن “الجيش الإسلامي” الذي يتزعمه السيد محمد علوش لم يطلق قذيفة واحدة على احياء العاصمة، وشددوا على التزامه المطلق باتفاقات منظومة آستانة وما تنص عليه من وقف اطلاق النار في مناطق تخفيف التوتر، وهذه شهادة “براءة” على درجة كبيرة من الأهمية، وستكون لها تبعات سياسية مستقبلية.

***

ما يمكن استخلاصه مما تقدم ان القصف الجوي لن يطال المناطق التي يسيطر عليها “الجيش الإسلامي” و”فيلق الرحمن”، وهي تشكل المساحة الأكبر في الغوطة الشرقية، وان اعمال الإغاثة والمساعدات الإنسانية قد تصل دون عوائق اليها في الايام المقبلة، مما قد ينعكس في وقف “التحريض” الإعلامي الذي تمارسه محطات التلفزة العربية الداعمة لهذين الفصيلين في الأيام المقبلة.

السيناريو المتوقع الذي يتبلور بشكل متسارع خلف الكواليس حاليا لإنهاء الازمة في الغوطة الشرقية هو السيناريو نفسه الذي جرى تطبيقه لإنهاء الحرب في حلب الشرقية، أي فتح ممر لخروج مسلحي الجماعات المصنفة إرهابيا الى المناطق الآمنة (مؤقتا) التي يختارونها، وعلى الأرجح ريف مدينة ادلب.

تأمين العاصمة دمشق هو الأولوية القصوى ومن غير المستبعد ان تحقيق هذا الهدف بات وشيكا، لان استمرار سقوط القذائف يهز هيبة الدولة السورية، ولا توجد دولة في العالم تقبل بسقوط القذائف على عاصمتها، مثلما يؤكد الروس والمسؤولون السوريون والايرانيون.

الحافلات الخضراء تتهيأ للوصول الى الغوطة الشرقية، ومن المفارقة انها نفسها التي نقلت مسلحي حلب الشرقية، وقبلها حمص الى ادلب، ومن المتوقع ان يظهر المبعوث الدولي استيفان دي مستورا مجددا في الواجهة للاشراف على الترتيبات.

الإنجاز الأبرز حتى الآن لقرار مجلس الامن هو وقف، او تخفيض اعداد الضحايا من المدنيين الأبرياء الذين دفعوا ويدفعون ثمن هذه الحرب الدموية دون ان يكون لهم أي دور فيها.

الامن سيعود الى الغوطة الشرقية تماما مثلما عاد الى حلب التي تتعافى حاليا وبشكل متسارع بعد سنوات من الدمار وسفك الدماء.. وربما الدور قادم على ادلب حتما.. والمسألة مسألة توقيت واولويات والظرف المناسب.. والله اعلم.