اخطأنا.. واصاب ترامب.. وردود الفعل الفلسطينية الرسمية قبل العربية مسؤولة عن مكافأة نقل السفارة المبكر الى القدس المحتلة.. والتطبيع وصفقات الغاز مقدمة.. وانتظروا الاسوأ

عبد الباري عطوان

الرئيس الامريكي دونالد ترامب كان محقا عندما قال ان الغضب العربي والاسلامي تجاه قراره بنقل السفارة الامريكية الى القدس المحتلة سيستمر لبضعة ايام ثم سرعان ما يتراجع، وتعود الامور الى وضعها الطبيعي، فها هو، وبعد اشهر قليلة، يوجه “صفعة” اخرى تنطوي على استفزاز اكثر وقاحة، بالاعلان عن التسريع بهذه العملية، وافتتاح السفارة في ايار (مايو) القادم في الذكرى السبعين لقيام دولة الاحتلال الاسرائيلي.

الرد الفلسطيني تمثل في عقد جلسة طارئة للمجلس المركزي، القى فيه الرئيس محمود عباس خطبة عصماء، وتقرر وقف كل اشكال التنسيق الامني ومطاردة مجرمي الحرب الاسرائيلية امام محكمة الجنايات الدولية، وجاء التطبيق لهذه القرارات معاكسا، فقوات الامن الفلسطينية لم توقف التنسيق الامني، بل ضاعفته، ولعبت الدور الاكبر في تقديم معلومات لنظيرتها الاسرائيلية لعبت الدول الاساسي في اغتيال الشهيد احمد جرار، قائد عملية قتل الحاخام الاسرائيلي في مستوطنة قرب مدينة نابلس.

***

كان قرار حركتي “حماس″ و”الجهاد” بعدم حضور جلسات هذا المجلس مصيبا، وقراءة صحيحة لموقف السلطة، ولكنه كان في الوقت نفسه غير فاعل، لعدم ارفاقه بقرارات عملية رادعة، ابرزها وقف “التكاذب” الذي عنوانه “المصالحة”، وتكثيف الاحتجاجات الشعبية ضد السلطة والاحتلال معا، والتبصر بمخاطر ما هو قادم.

اما الرد العربي على هذه الصفعة فتمثل في توقيع مصر صفقة غاز القرن مع دولة الاحتلال بقيمة 15 مليار دولار لمدة عشر سنوات، الامر  الذي جعل بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الاسرائيلي، يرقص طربا، ليس من ضخامة المبلغ، ومعاني الصفقة التطبيعية، وانما ايضا من تولي السلطة المصرية مهمة تسويق فائض الغاز الاسرائيلي المسروق الى دول عربية واوروبا، وهذا قمة الاثم.

الاردن الذي من المفترض ان اسرته الهاشمية تتولى الوصاية الدينية على القدس المحتلة، ومقدساتها المسيحية والاسلامية، اعادت حكومته فتح السفارة الاسرائيلية، وعودة العمل فيها تحت ذريعة حصولها على اعتذار اسرائيلي عن مقتل ثلاثة من مواطنيها، وتقديم تعهد بمحاكمتهم، وتبين لاحقا انه لم يكن هناك اي اعتذار، والقتلة الاسرائيليين ما زالوا طلقاء.

عمليات التطبيع بين الدول العربية واسرائيل في تزايد مستمر، فها هو برلمان تونس يرفض تبني مشروع قانون بتجريم التطبيع مع دولة الاحتلال، وها هو افيخاي ادرعي، المتحدث باسم جيشه، يظهر اكثر من مرة مهددا العرب، ومدافعا عن وجهة النظر الاسرائيلية، على شاشة قناة “الجزيرة”، اما السيد عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، قيؤكد ان ايران وليس اسرائيل هي العدو الأوحد والأخطر الذي يهدد استقرار المنطقة والعالم بأسره، والامثلة كثيرة على هذا الهوان العربي.

ردود فعل السلطة الفلسطينية المخجلة والمعيبة على قرار نقل السفارة في يومه الاول يتحمل المسؤولية الاكبر عن كل هذه الخطوات الاستفزازية اللاحقة المهينة، واخرها تقديم مكافأة ثمينة جدا لدولة الاحتلال بافتتاحها بعد ثلاثة اشهر وفي يوم ذكرى النكبة الفلسطينية للمقر الجديد للسفارة الامريكية.

***

ماذا سيفعل الرئيس عباس، وكيف سترد سلطته على هذه الصفعة؟ غير المزيد من الادانات والبيانات التي حفظنا كلماتها عن ظهر قلب.. هل سيحل السلطة؟.. لا نعتقد، هل سيعلن حل قوات الامن الفلسطينية ووقف التنسيق الامني؟ لا يجرؤ على ذلك.. هل سيطلق شرارة الانتفاضة المسلحة الثانية؟.. خطوة مستحيلة من رجل راهن دائما على المفاوضات.. وبات يلعب دور المندوب السياحي لحث العرب والمسلمين على التطبيع وزيارة القدس المحتلة.

عندما يستعيد الفلسطينيون هيبتهم، وهيبة قضيتهم، ويصعدون من مقاومة الاحتلال، ويرفعون من كلفته المادية والبشرية، ويبدأون مقاومتهم بالتخلص من هذه السلطة وفكرها الاستسلامي الخانع، سيدرك ترامب وحلفاؤه الاسرائيليون خطأهم، وسيندمون على كل هذه السياسات الاستفزازية الوقحة.

نحن نعيش الزمن العربي الاسوأ، والاكثر هوانا واذلالا، زمن يتواضع امامه نظيره الذي شهد ضياع الاندلس.. لم نكن نتصور نحن الذين عشنا زمن المقاومة الذهبي، ورفض هزيمة 67، اننا سنعيش هذه هذه اللحظة.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.