عندما يصف دي مستورا “الغوطة الشرقية” بـ”حلب الثانية” فعلينا توقع حلا يخرج المسلحين الى ادلب بالحافلات الخضراء.. لماذا قرر الجيش السوري بدعم روسي اللجوء للحسم العسكري فجأة؟ ومن المسؤول عن انهيار الهدنة؟ وكيف نفسر طلب موسكو عقد جلسة طائرة لمجلس الامن؟

عبد الباري عطوان

لم يبالغ المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا عندما شبه الوضع في الغوطة الشرقية المحاصرة بأنها “حلب ثانية”، في إشارة الى اقتحام قوات الجيش السوري “حلب الشرقية” بغطاء جوي روسي في عام 2016 لوقف الصدام الذي ادى الى تهجير مئات الآلاف من المدنيين، وتدمير احياء بكاملها، وقتل الآلاف من أبنائها.

الغوطة الشرقية من المفترض ان تكون احد مناطق خفض التوتر الاربع، ولكن اتفاق الهدنة فيها تعرض لخروقات خطيرة من الجانبين، وما دفع قوات الجيش السوري مدعوما بغطاء جوي روسي، الى قصفها بكثافة في الأيام القليلة، سقوط قذائف عشوائية على احياء العاصمة السورية المحاذية لها، مما أدى الى زعزعة الامن والاستقرار فيها، ومقتل العديد من المدنيين، حسب آراء المراقبين.

قصف العاصمة يعتبر خطا احمر بالنسبة الى السلطات السورية، لأنه يعني اهتزاز هيبتها، واقتراب الحرب من هياكل مؤسساتها، والحاضنة الشعبية الأقوى بالنسبة اليها، ولهذا جاء الرد قويا، مما يوحي ان قرارا بالحسم جرى اتخاذه لإغلاق مصدر النزيف هذا مرة واحدة والى الابد، مثلما يقول الاعلام الرسمي السوري.

***

حجم الدمار وارتفاع اعداد الضحايا المدنيين في الجانبين، جعل من الغوطة الشرقية محور اهتمام عالمي وعربي، وهناك تقارير تقول ان حوالي 300 شخص بينهم أطفال سقطوا من جراء القصف الجوي للطائرات السورية، الامر الذي دفع الأمم المتحدة الى توجيه دعوة لوقف القتال فورا، بينما طالبت روسيا بعقد اجتماع عاجل لمجلس الامن الدولي لبحث الوضع المتأزم وإيجاد حلول وهدنة لوقف سفك الدماء، لإنقاذ أرواح حوالي 400 الف مواطن محاصرين في المنطقة.

عندما يحذر المبعوث دي مستورا من تحول الغوطة الشرقية الى “حلب ثانية” واستيعاب دروس الأخيرة، فانه يلمح الى ضرورة اتباع طرق الحل نفسها، أي الانخراط في مفاوضات مباشرة، او عبر وسطاء، بين المسلحين والسلطة لوقف القتال وخروج المسلحين الى مناطق أخرى آمنة، مثل ادلب في الحافلات الخضراء برعاية الأمم المتحدة، وعلينا ان نتذكر ان ثماني جولات من مفاوضات مباشرة جرت بين الجانبين في آستانة نجحت في وقف اطلاق النار.

السيد محمد علوش احد ابرز قادة جيش الإسلام، اقر بأن هناك مساع من بعض الجهات الدولية والمحلية للتوصل الى اتفاق هدنة، ولكنها لم تنجح حتى الآن بسبب تمسك كل طرف بشروطه، ولكن جميع المفاوضات تبدأ كذلك، حيث يحاول كل طرف اعلاء سقف مطالبه، ثم يتم التوصل الى حلول وسط مرضية للطرفين، او هكذا نأمل.

الشعب السوري جرب الامن والاستقرار في مدينة حلب، وبدأ يتعايش مع الوضع الجديد، تماما مثلما فعل اشقاؤه في مناطق خفض التوتر الأخرى، وهناك انباء تؤكد عودة عشرات الآلاف من اهل المدينة الذين هجروها هربا من اعمال القتل والتدمير، كما تزايد منسوب عودة الحياة الطبيعية الى المدينة المنكوبة بصورة او باخرى.

الوضع مؤلم في الغوطة بكل المقاييس، فمناظر الأطفال القتلى، وحجم الدمار، تعيد الى الاذهان مرحلة ما قبل اتفاقات تخفيض التوتر الدموية، والرعب بات يسيطر أيضا على الاحياء الدمشقية القريبة منها من جراء القذائف العشوائية التي تتسبب في قتلى وجرحى بينهم أطفال أيضا، مثلما ذكر مراسل وكالة الصحافة الفرنسية الذي وصف ما يجري بأنه جنون لا بد ان يتوقف لان المدنيين هم الضحايا.

الحكومات العربية التي انفقت مليارات الدولارات على دعم المعارضة وتسليحها تخلت عنها في الغوطة الشرقية، مثلما تخلت عنها في حلب، وباتت تكتفي بالتغطية الإعلامية، ونشر صور الضحايا فقط، والتحريض على الحرب، الامر الذي بدأ يرتد غضبا عارما في أوساط الكثير من الأوساط الشعبية السورية.

حتى الدول الغربية التي وقفت خلف تأسيس منظومة أصدقاء سورية في بداية الازمة بقيادة الولايات المتحدة، ومشاركة دول عربية عديدة، بدأت تدير ظهرها للجماعات السورية المسلحة، وتتبنى الاكراد كبديل، وتتقرب من النظام في دمشق، وسمعنا اليوم رئيس الاستخبارات الألمانية برونو كاهل يؤكد على ضرورة الحوار مع الرئيس بشار الأسد وحكومته حول مكافحة الارهاب، ولقيت دعوته هذه تأييدا واسعا من الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم الذي تتزعمه المستشارة انجيلا ميركل، والحزب الديمقراطي الحر، وحزب البديل الرئيسي المعارض، اما إبراهيم كالين مستشار الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، والمتحدث باسمه، فقد كشف اليوم أيضا عن اتصالات مباشرة بين أجهزة المخابرات التركية ونظيرتها السورية، ربما تمهد لاتصالات بين وزراء في الجانبين تلبية لطلب سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، وحليف الطرفين.

***

الحل العسكري الذي استمر حوالي سبعة أعوام فشل في سورية، وبات واضحا للجميع حكومة ومعارضة، ان الحل السياسي القائم على الحوار هو الطريق الأقصر والاسرع للوصول الى الامن والاستقرار والتعايش على اسس العدالة والمساواة.

الحل المتوقع في نهاية المطاف لوقف نزيف الدماء في الغوطة الشرقية سيكون نسخة قريبة من نظيره في حلب، وظهور دي مستورا في هذا التوقيت ونصيحته لجميع الأطراف باستيعاب دروس ما حدث في حلب الشرقية يجب ان تجد آذانا صاغية من جميع الأطراف في السلطة والمعارضة تقليصا للخسائر، وحقن أكبر قدر ممكن من الدماء.

نشعر بالمرارة والالم ونحن نرى الضحايا المدنيين من الجانبين يسقطون قتلى بالقذائف سواء في الغوطة الشرقية او بعض احياء العاصمة، فهؤلاء أهلنا في نهاية المطاف، ودماؤهم وارواحهم عزيزة علينا، ونكتفي بهذا القدر.