دخول القوات السورية “المتوقع″ الى عفرين هل سيؤدي الى “حوار” ام “مواجهات” بين انقرة ودمشق؟ وهل فتح الجيش السوري ثلاث جبهات في الغوطة.. وعفرين.. وادلب.. مقدمة لـ”ام المعارك” ضد الامريكان شرق الفرات؟ ولماذا تبدو شروط جاويش اوغلو “غير مقنعة”؟ وما هي خيارات اردوغان؟

عبد الباري عطوان

الاحتجاج التركي الرسمي الذي عبر عنه السيد مولود جاويش اوغلو وزير الخارجية التركي على  دخول قوات سورية، رسمية او شعبية، الى مدينة عفرين يبدو مفهوما، لانه يعني خلط جميع الأوراق، وزيادة مصاعب عملية “غصن الزيتون” التركية التي ما زالت تراوح مكانها منذ ان بدأت قبل شهر تقريبا، وعجزت حتى الآن عن تحقيق الأهداف التي انطلقت من اجلها.

قصف المدفعية التركية للمرات والحواجز التي كان من المفترض ان تمر عبرها القوات السورية الى عفرين يوحي بحالة من الغضب التركي تجاه هذه الخطوة، وتحذير من احتمال الصدام معها، وهي رسالة فهمت مضمونها الحكومة السورية التي بادرت بتأجيل ارسال هذه القوات، ولكنه تأجيل مؤقت في جميع الأحوال، وجاء نتيجة وساطات عدة، إيرانية وروسية، ولن نفاجأ اذا كان ليوم واحد فقط.

الحكومة السورية تصرفت بأعصاب باردة وضبط نفس تجاه التدخل العسكري التركي في عفرين، وانتظرت حتى يصرخ احد الطرفين او كلاهما، طالبا النجدة، الاتراك لتأخر الحسم وتزايد اعداد الخسائر المادية والبشرية، والاكراد بسبب قوة وضخامة اعداد وتسليح الطرف المهاجم، أي التركي، والخذلان الأمريكي، وجاءت الصرخة من الطرفين، وان كانت الأمور نسبية.

فلا مقارنة بين تركيا، الدولة الإقليمية العظمى وجيشها الجرار، وبين وحدات حماية الشعب الكردية، التي لا تزيد عن كونها ميليشيا محلية، ولكن طبيعة الحروب تغيرت، وهناك مثل يقول ان البعوضة تدمي مقلة الأسد.

***

الاكراد اعترفوا أخيرا، وبعد تلكؤ طال، وخذلان امريكي، انهم سوريون، وطالبوا دولتهم السورية بالتدخل لحمايتهم من “الغزو” التركي، وكان من الطبيعي ان تتجاوب القيادة في دمشق لنداء الاستغاثة هذا لضرب عصفورين بحجر واحد، والموافقة على ارسال القوات السورية و”المقاومة الشعبية” الى عفرين، الأول: استعادة السيادة على هذه المدينة (عفرين)، والثاني: افشال المشروع التركي في إقامة منطقة عازلة بمساحة ثلاثين كيلومتر مربع، وإعادة توطين 3.5 مليون لاجئ سوري فيها، ويبدو ان تحقيق هذه الأهداف بات ممكنا ووشيكا.

السيد جاويش اوغلو، وزير الخارجية التركي، اعترض بشكل “مبطن” على أي دخول للجيش العربي السوري و”الميليشيات” الموالية له الى عفرين، الا اذا كان هذا الدخول مشروطا بطرد مقاتلي حزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب منها، والا فإن عملية “غضن الزيتون” ستستمر، مثلما قال في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع نظيره الأردني في عمان اليوم.

شروط السيد اوغلو قد تكون متأخرة أولا، وفي غير مكانها ثانيا، وغير مقبولة للجانب السوري ثالثا، فقد نسي السيد اوغلو ان مدنية عفرين سورية، وان القوات السورية عندما تدخلها فإنها ليست غازية، او محتلة، وتلبي نداء نجدة من مواطنين سوريين وان كانوا اكرادا، فهل يقبل السيد اوغلو ان يفرض احد على حكومته شروطا لدخول جيشها ديار بكر مثلا، او أي مدينة تركية أخرى؟

والشيء نفسه يقال أيضا عن الاتهامات التركية للحكومة السورية بتسليح قوات حماية الشعب الكردية، وتسهيل وصول امدادات عسكرية وبشرية اليها من عين العرب ومنبج، بل والحسكة أيضا الى عفرين للمشاركة في التصدي للقوات التركية، فالرد السوري الرسمي قد يكون جاهزا على هذه الاتهامات، ويكفي تذكير القيادة التركية بأنها تدعم فصائل سورية مسلحة منذ سبع سنوات لتحقيق أهدافها في اسقاط النظام، فالطرفان في حالة حرب على الأرض السورية، وكل طرف يستخدم كل أوراقه فيها، وهذا امر متوقع على أي حال.

القيادة السورية وجدت في مأزق الاتراك في عفرين فرصة لها لفتح قنوات حوار مع إدارة الحكم الذاتي في المدينة ومحاولة ابعادها عن حليفها الأمريكي الذي خذلها وتخلى عنها، و”ادماء” الانف التركي بطريقة او بأخرى، وبما يدفعه الى “كف الاذى” وفتح حوار مع دمشق للتوصل الى حل للوضع في ادلب على طريقة نظيره في حلب، وضمها الى مناطق خفض التوتر، ونتفق مع الآراء التي تول ان دخول قوات الجيش السوري الى عفرين قد تكون مخرجا للجميع، بما في ذلك السلطات التركية.

الروس الذين نفوا القيام بأي وساطة بين قوات الحماية الكردية والحكومة السورية للتوصل الى اتفاق دخول القوات السورية الى عفرين، بدأوا يتحدثون عن إقامة منطقة خامسة لتخفيف التوتر في المدينة، وهذا يعني انهم أعطوا الضوء الأخضر، وبطريقة مواربة، لدخول القوات السورية اليها.

الجيش السوري يخوض حاليا معارك على ثلاث جبهات: الغوطة الشرقية، عفرين، وادلب، ويريد الحسم فيها في غضون الأشهر المقبلة تمهيدا لخوض المعركة الكبرى شرق الفرات ضد القوات الامريكية وحلفائها، وقد تخدم هذه الخطوة الرئيس اردوغان وحكومته على المديين المتوسط والبعيد.

السوريون يملكون خبرة عميقة في هذا المضمار، فقد لعبوا الدور الأبرز في استنزاف قوات الاحتلال الامريكية وهزيمتها في العراق بعد احتلال عام 2003 من خلال دعم المقاومة، ولا نستبعد ان يكونوا جهزوا “سيناريو” مماثل للاحتلال الأمريكي في شمال سورية وربما في العراق أيضا، وربما تكون فرص نجاح هذا السيناريو اكبر اذا كان بالتنسيق مع تركيا.

***

الرئيس رجب طيب اردوغان أضاع فرصة ذهبية برفضه وساطات روسية للتنسيق مع دمشق لتعزيز الاستقرار في سورية، وتوجيه البوصلة نحو المشروع الامريكي الذي يريد إقامة كيان كردي مستقل في شمال سورية، وربما لو قبل هذه الوساطة مبكرا لما وجد نفسه غارقا في مأزق عفرين وتبعاته الخطيرة المتوقعة، وانعكاساتها على تركيا ووحدتها الترابية امنها واستقرارها.

الصحف التركية مهدت لهذه الخطوة عندما القت بمسؤولية فشل سياسة بلاده في اسقاط حكم الرئيس الأسد على عاتق السيد احمد دواوود اوغلو، رئيس الوزراء السابق، وكان بمقدور الرئيس اردوغان ان يقدمه “كبش فداء” لتبرير أي مراجعات لهذه السياسة.

مؤتمر إسطنبول الثلاثي الذي سيعقد في الأيام المقبلة في حضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والإيراني حسن روحاني، والرئيس المضيف اردوغان، قد يشكل فرصة لهذه المراجعات، خاصة ان محاولات اصلاح العلاقة التركية الامريكية التي جرت اثناء زيارة ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأمريكي لأنقرة قبل أيام لم تحقق أي نتائج إيجابية.

الرئيس اردوغان يواجه حرب استنزاف في عفرين ربما تمتد الى جرابلس والباب أيضا في شمال غرب سورية، وتحالفا كرديا سوريا رسميا في طور الانشاء، وانتخابات رئاسية وتشريعية في العام المقبل، وربما بات الوقت مناسبا “لاستدارة ما” تبدو ضرورية، وربما حتمية.

فهل يفعلها اردوغان “البراغماتي”؟ لا نستبعد ذلك.. والله اعلم.