مؤتمر ميونخ الامني “يبشرنا” بأن العالم بات على حافة الهاوية والحرب السورية ستطول وربما تتطور الى “عالمية”.. وزيرات دفاع اوروبا يردن استقلالا دفاعيا عن امريكا.. و”رجالنا” يصرون على التبعية لها واسرائيل.. كيف نقلنا الازمة الخليجية الى منابر العالم؟ ولماذا يخشون كوريا الشمالية وايران وليس العرب؟

عبد الباري عطوان

كان العنوان الابرز للتقرير السنوي لمؤتمر ميونخ الامني الذي بدأ اعماله امس يؤكد ان العالم بات على حافة الهاوية، وان الصراع الامريكي مع كوريا الشمالية.. والتوتر الايراني السعودي.. والحرب في سورية كلها عناصر تفجير لحروب عظمى وشيكة وفي اسرع وقت ممكن.

الاوروبيون بدأوا يدركون خطورة هذه الازمات، ويستعدون لاحتمال انعكاساتها المباشرة على امنهم، من خلال تحديد المسؤولية، والاستعداد لتبني استقلالية استراتيجية دفاعية، وتشكيل قوات تدخل سريع مشتركة، دون انتظار الولايات المتحدة الامريكية.

وزير الخارجية الالماني زيغمان جابريل كان شجاعا في توجيه انتقادات غير مسبوقة الى الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وتحميله مسؤولية تصاعد حدة التوتر في العالم بسياساته الاستفزازية في اكثر من مكان في العالم، وحالة الارتباك التي تعيشها القوة العظمى الامريكية، ولخص كل ذلك بقوله “لا يوجد ثقة في الحكومة الامريكية تحت قيادة ترامب.. وبتنا لا نعرف كيف نقيم مواقفها.. هل بالاقوال.. ام الافعال ام بالتغريدات؟”.

***

هذه النزعة الاستقلالية الاوروبية التي تجلت بصورة اكثر وضوحا في مؤتمر ميونخ تقودها سيدتان، الاولى هي فلورنس بارلي، وزيرة الجيوش الفرنسية، (الدفاع)، وارسولا فون، وزيرة دفاع المانيا، وكانتا دون مبالغة اكثر “رجولة” من الكثير من الرجال الذين شاركوا في هذا المؤتمر ومن بينهم 21 زعيم دولة ورئيس وزراء، وعدد كبير من وزراء الخارجية (500 مشارك)، فقد اكدتا في كلمتيهما امام المؤتمر على ضرورة ان تكون اوروبا قادرة على ضمان امنها بنفسها، وان تصبح اوروبية اكثر استقلالية عن امريكا وحلف الناتو، وقبلهما قالت المستشارة الالمانية انجيلا ميركل “ان الايام التي كنا نعتمد على الآخرين ولت الى غير رجعة”.

كوريا الشمالية تعتمد على نفسها وتطور قوة ردع نووية وباليستية في مواجهة اي تهديدات امريكية، اما ايران فاتبعت النهج نفسه وصنّعت ترسانة صاروخية متقدمة عززتها من خلال تمدد اقليمي استراتيجي في المنطقة من خلال سياسة مدروسة ومدعومة بأذرعة عسكرية ضاربة، بينما نحن العرب ما زلنا نعتمد على الآخرين لحماية انفسنا، ووصل التهور لدى البعض منا الى درجة الرهان على دولة الاحتلال الاسرائيلي كحام وحليف استراتيجي.

الولايات المتحدة الامريكية التي باتت مكروهة حتى في اوروبا حليفها التقليدي، لان سياساتها في الشرق الاوسط خصوصا القريب من القارة الاوروبية جغرافيا، باتت مصدر استفزاز وعدم استقرار للعالم بأسره، فها هي على وشك الغاء الاتفاق النووي مع ايران، وتعترف بالقدس المحتلة كعاصمة ابدية لدولة الاحتلال، وتخطط لابقاء قواتها بشكل دائم في سورية، واقامة كيان كردي ليكون حاضنة لقواعد عسكرية في المنطقة.

امر مؤسف ان لا يكون للعرب اي دور فاعل في مؤتمر ميونخ الامني، واذا كان هناك دور فهو سلبي على الاطلاق، اي نقل الخلافات العربية، والخليجية بالذات الى منبره، وتحويله، اي المؤتمر، الى حائط مبكى للشكوى من بعضنا البعض، وعقد اللقاءات السرية، وربما العلنية مع بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء دولة الاحتلال الذي يتحرك مثل الطاووس في القاعة والممرات.

كوريا الشمالية لا تشكل خطرا حقيقيا على الولايات المتحدة التي تبعد عنها اكثر من خمسة آلاف ميل، وانما على حلفائها مثل اليابان، وكوريا الجنوبية، والاهم منهما دولة الاحتلال الاسرائيلي.

التصعيد الامريكي ضد بيونغ يانغ سببه الابرز هو تعاونهما مع بعض الدول العربية، وسورية على وجه التحديد، وايران ايضا، في مجالات عسكرية، مثل الصناعة الصاروخية، وتبادل الخبرات العلمية والتقنية النووية، وهناك انباء شبه مؤكدة ان الطائرة الاسرائيلية “اف 16″ أُسقطت بصاروخ روسي قديم جرى تحديثه بخبرات كورية شمالية.

***

الوضع العربي مخجل بكل مقاييس، ومعظم الانظمة العربية باتت تتصرف بتبعية مهينة للولايات المتحدة في المنطقة والعالم، في وقت بات حلفاؤها التقليديون يبتعدون عنها، المشاركون في مؤتمر ميونخ الامني، ومعظم المؤتمرات المماثلة، من العرب باتوا بلا قضية موحدة تجمعهم مثلما كان عليه الحال قبل عشر سنوات مثلا، والقاسم المشترك بينهم، او معظمهم، هو الكيد لبعضهم البعض، وانفاق عشرات بل مئات المليارات في هذا المضمار.

كان مؤلما بالنسبة الينا ان يؤكد التقرير السنوي لمؤتمر ميونخ ان الحرب في سورية ستستمر لسنوات، وربما لعقود، وان احتمالات تطورها الى حرب عالمية بين القوتين العظميين واردة في ظل الحرب الباردة المتفاقمة، ولا نستبعد ان يكون بعض المشاركين العرب قد فركوا اياديهم فرحا، انطلاقا من قصر نظرهم، ونزعاتهم الثأرية الشخصية التي تتناقض مع كل الاعتبارات العلمية والمنطقية والمسؤوليات والثوابت الوطنية والاخلاقية.