سورية تخرج عن صمتها وتتوعد اسرائيل بمفاجآت جديدة.. لماذا أوكلت هذه المهمة للرجل الثالث في الخارجية السورية؟ وكيف ستكون هذه المفاجآت؟ وهل يحق لنا المقارنة بين اسقاط طائرة “شبح” أمريكية في حرب كوسوفو ونظيرتها الإسرائيلية “اف 16″ الأقل تطورا؟ ولماذا؟

عبد الباري عطوان

اسقاط الطائرة الإسرائيلية من طراز “اف 16″ كان اهم انتصار معنوي تحققه القيادة السورية منذ 36 عاما، في نظر الكثير من المراقبين، ولهذا لم يكن مفاجئا ان تشهد العاصمة السورية احتفالات غير مسبوقة على الصعيدين الشعبي والرسمي معا، رغم عدم انتهاء الحرب في البلاد كليا.

لم يلق الرئيس بشار الأسد خطابا بهذه المناسبة، ولم يصدر عنه أي تصريح، وتحلت هيئة اركان الحكم في العاصمة السورية بأعلى درجات ضبط النفس، عندما أوكلت مهمة الحديث عن اسقاط الطائرة الى السيد ايمن سوسان، مساعد وزير الخارجية، للحديث عن هذا الإنجاز التاريخي.

السيد سوسان الذي يحتل المرتبة الثالثة، او الرابعة، على سلم وزارة الخارجية السورية، ظهر في مؤتمر صحافي لإيصال رسالة مهمة الى الإسرائيليين وحلفائهم الأمريكيين تقول “ثقوا تماما ان المعتدي سيتفاجأ كثيرا لانه اعتقد ان حرب الاستنزاف التي تتعرض بها سورية لسنوات جعلتها غير قادرة على مواجهة أي اعتداءات، انشاء الله سيرون مفاجآت اكثر كلما حاولوا الاعتداء على سورية”.

من الطبيعي ان لا يكشف السيد سوسان عن طبيعة هذه المفاجآت لانها من الاسرار العسكرية، ولكن ما يمكن استنتاجه من بين ثنايا كلماته، وحالة الثقة التي غلفتها، ان هناك صواريخ أخرى ربما اكثر تطورا يمكن استخدامها لإسقاط طائرات إسرائيلية من النوع نفسه، سواء فوق الأجواء السورية او الفلسطينية المحتلة.

***

اسقاط طائرة “اف 16″ من مجموع 300 طائرة من النوع نفسه في السلاح الجوي الإسرائيلي ربما لا يعني الكثير بالنسبة الى المحللين العسكريين غير الإسرائيليين الذين رددت اقوالهم محطات تلفزة وصحف عربية تنتمي الى الخيمة الأخرى، لكنه ليس كذلك بالنسبة الى الرأي العام الإسرائيلي الذي كان يعتقد ان التفوق الجوي لجيشه يشكل “شبكة امان” ابدية بالنسبة اليه.

في حرب كوسوفو نجحت الدفاعات الجوية الصربية في اسقاط طائرة شبح أمريكية من نوع “اف 117″، وهي الاحدث في الترسانة الامريكية، ولا ترصدها الرادارات  التقليدية، ولم يؤثر ذلك على المعنويات الرسمية، ولا الشعبية الامريكية لان هناك آلاف الطائرات في هذه الترسانة من مختلف الأنواع والاحجام أولا، ولان هذه الطائرة لم تسقط في الأجواء الامريكية مثلما كان حال طائرة “اف 16″ الإسرائيلية ثانيا، ولان أمريكا دولة عظمى ثالثا لا تنافسها أي قوة أخرى في حينها.

لا نجادل مطلقا في قوة السلاح الجوي الإسرائيلي وحداثة طائراته الامريكية الصنع، ولكن ما نجادل فيه ان السيادة الجوية الإسرائيلية، في أجواء المنطقة كلها، وليس الأجواء السورية فقط، بدأ العد التنازلي لتأكلها، الامر الذي يكسر الحاجز النفسي القائم منذ حرب أكتوبر عام 1973، ويؤشر لمرحلة ردع انتهت، وأخرى تبرز من وسط الركام السوري اكثر حداثة وصلابة.

حديث الجنرالات العسكريين الإسرائيليين عن تدمير نصف الدفاعات الجوية السورية في غارات انتقامية جاء بهدف التضليل وامتصاص حالة الرعب التي سادت في أوساط الإسرائيليين بعد اسقاط الطائرة، وفتح الملاجئ، واغلاق مطار تل ابيب لعدة ساعات، ويكفي الإشارة الى ان معظم هذه الدفاعات قديمة وعديمة الفائدة، ولم تسقط طائرة واحدة على مدى 63 عاما، وان كنا نشك كليا في صدقية هذه الرواية الإسرائيلية، ولكن الدفاعات التي اسقطت الطائرة “اف 16″ ما زالت سليمة معافاة، وفي أماكن سرية آمنة، وقد تظهر في الوقت المناسب، او للتصدي لأي غارة إسرائيلية قادمة.

سبع طائرات “اف 16″ اغارت على سورية فجر السبت الماضي، واحدة جرى اسقاطها، وثانية أصيبت، بإعتراف الإسرائيليين انفسهم، وهذه نسبة إصابة عالية بالمقارنة مع كل الغارات الإسرائيلية السابقة، ولا بد من الإشارة ان أربعة صواريخ من مجموع خمسة جرى اعتراضها وتدميرها قبل يومين من الغارة الأخيرة.

الموقف الروسي الذي أصاب إسرائيل بحالة من الصدمة لتأييده حق السوريين في الدفاع عن أنفسهم والتصدي لأي طائرات تخترق اجواءهم، جاء رسالة قوية للإسرائيليين تحذرهم من تكرار هذا العدوان، وتزويدهم، أي الروس، سورية بصواريخ “اس 300″، ونصب أخرى من نوع “اس 400″ في القواعد الجوية الروسية في حميميم أنهى عمليا التفوق الجوي الإسرائيلي منذ عام 2015.

***

لا نستبعد ان تكون كل من سورية وايران، وربما “حزب الله” أيضا، قد ادخلوا تطويرات تكنولوجية حديثة على الصواريخ الروسية القديمة، وبمساعدة روسيا نفسها او دول أخرى مثل كورية الشمالية، فمعظم الصواريخ الباليستية الإيرانية المتطورة كانت نتاج تكنولوجيا روسية بالأساس، والشيء نفسه يقال عن صواريخ كوريا الشمالية، والا كيف يطارد صاروخ “سام 5″ الذي انتهى عمره الافتراضي وخرج من الخدمة، طائرة “اف 16″ حتى العمق الفلسطيني المحتل، ويسقطها دون ان تعترضه القبة الحديدية الاسرائيلية؟

حديث السيد سوسان، وتحذيراته من مفاجآت قادمة يجب ان تؤخذ بمأخذ الجد، فمثلنا فاجأ الجيش العربي السوري الكثيرين بصموده اكثر من سبعة أعوام، والقت ايران بكل ثقلها العسكري والمالي خلف الدولة السورية، وضحت روسيا بالعديد من جنرالاتها وجنودها لإفشال محاولات تغيير النظام، فإن كل الاحتمالات وكل المفاجآت واردة، وهي غالبا ما ستكون سارة.

من حقنا ان نتفاءل وان نتفاعل، مع أي انتصار عربي، مهما كان صغيرا من وجهة نظر البعض، في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية، لأننا نؤمن بهذه الامة بشقيها العربي والإسلامي، وقدراتها، وارثها المشرف، ونراهن على نهضتها ومواجهة كل التحديات والمؤامرات.. فهل هذا كثير؟