عن المأساة الليبية في “عيدها السابع″ اكتب اليكم: لماذا تحولت مدينة بنغازي مكان ميلاد “الثورة الليبية” الى مسرح للتفجيرات والاعدامات العلنية على طريقة أفلام “الكاوبوي”؟ وكيف تحولت مساجدها الى برك دما؟ وهل تفيد الشعب الليبي شهادة برلسكوني وندم أوباما المتأخر ليفهم الخديعة الكبرى التي اوقعوه في مصيدتها؟

عبد الباري عطوان

لا يأتينا من ليبيا التي “حررها” حلف “الناتو” قبل سبعة اعوام، وبمباركة من السيد عمر موسى، امين عام جامعة الدول العربية في حينها، هذه الأيام غير اخبار التفجيرات واعداد القتلى والجرحى من الليبيين الأبرياء فيها.

اليوم (الجمعة)، انفجرت قنبلتان في مسجد سعد بن ابي عبادة وسط مدينة بنغازي، مولد “الثورة الليبية”، مما أدى الى مقتل مصل واصابة 63 آخرين، جروح بعضهم خطيرة للغاية، وقبل أسبوعين اودى تفجير آخر، في مسجد آخر، في المدينة نفسها بأرواح اربعين مصليا، والله وحده يعلم من وأين سيكون المسجد المستهدف في المرة القادمة.

مدينة بنغازي التي كانت مصدر اشعاع ثقافي حضاري في ليبيا، وتوصف بأنها عاصمة الابداع المسرحي والادبي والفني، والصحافة المهنية الحرة في العهد الملكي، تحولت الى عاصمة للقتل والتفجير، والتصفيات الدموية الثأرية.

قبل أسابيع حفلت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديو تتواضع امامه وقائعه أفلام الرعب، عندما اقدم مسلح بإعدام عشرة اشخاص مقيدين بالأغلال، ويرتدون بزات زرقاء، بأطلاق النار علي رؤوسهم في ساحة عامة بتهمة كونهم من “الجهاديين”، وجرى اتهام احد اتباع المشير خليفة حفتر الذي يسيطر على المنطقة بتنفيذ هذه الاعدامات، ولم يمثل هؤلاء امام  محاكم عامة في “ليبيا الجديدة”، التي من المفترض انها تنعم بأرقى أنواع الديمقراطية الغربية التي جاءت على ظهر طائرات حلف “الناتو”.

 ولا يمكن ان ننسى منظر العشرات من الاقباط المصريين والسلاسل المعدنية في أيديهم وارجلهم يرتدون بزات الإعدام البرتقالية، ويقتادون من قبل مقاتلين لـ”الدولة الإسلامية” الى قبورهم الجماعية.

***

بعد أيام معدودة من المفترض ان ينزل مئات الآلاف من الليبيين الى الشوارع والساحات احتفالا بالذكرى السابعة لثورتهم التي أطاحت بالنظام الديكتاتوري، ومن اجل استبداله بآخر ديمقراطي تعددي، يحقق الاستقرار والازدهار، ولكننا لا نعتقد ان الساحة الخضراء سابقا، وثورة الحرية حاليا، الواقعة في وسط العاصمة طرابلس، المطلة على البحر، ستشهد أي احتفال، بل ربما مجالس عزاء للآلاف الذين قتلوا بعد الثورة بسبب الفوضى الأمنية الدموية التي تسود البلاد ورصاص الميليشيات.

نصف الشعب الليبي تقريبا بات يعيش على الكفاف في منفي دول الجوار، مصر وتونس، كلاجئين يبحثون عن لقمة خبز مغموسة بالأمن، والنصف الآخر الذي لم يهاجر بقي لأنه لا يملك المال وبات يسلم امره الى الخالق جل وعلا، ويترحم على الديكتاتوريات وزمانها.

اين منظومة “أصدقاء ليبيا” التي أسسها الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاي ساركوزي من اجل رعاية شؤون الشعب الليبي، مصالحة، وضمت اكثر من ستين دولة، من بينها أمريكا وبريطانيا وألمانيا وتركيا وعدة دول عربية؟ وأين وعودها بتحويل ليبيا الى نموذج في الديمقراطية والرخاء تحسدها عليه شعوب دول المنطقة العربية الأخرى؟

اليوم (الجمعة)، خرج علينا الرئيس الإيطالي الأسبق سيلفيو برلسكوني في حديث مع محطة “سكاي نيوز 24″ يؤكد فيه “ان ساركوزي كان عراب التدخل، أي العسكري في ليبيا”، وقال انه عارض هذا التدخل، أي برلسكوني، لأنه اعتبر اسقاط حكم القذافي ضربا من الجنون، “فالرجل، ورغم مساوئه كان عنوان وحدة البلاد وتماسكها لسيطرته على 104 قبيلة”، وأشار الى “ان طائرات فرنسا الحربية بدأت القصف بينما كنا نناقش في باريس إمكانية تشكيل تحالف”.

وثائق فرنسية نشرتها برامج تلفزيونية استقصائية كشفت ان التدخل العسكري في ليبيا لم يكن بسبب الحرص على الديمقراطية او مصالح الشعب الليبي، واما لإطاحة نظام القذافي الذي كان يعطي عروض التنقيب عن النفط والغاز لشركات صينية وهندية وروسية وتركية وليس فرنسية او بريطانية، بسبب ماضي البلدين الاستعماري، وكذلك عروض الاعمار وبناء البنى التحتية الليبية، والأخطر من ذلك، وضعه خطط لاصدار الدينار الافريقي وتوفير الغطاء اللازم له من الذهب، ليكون بديلا عن الدولار واليورو.

النظام الليبي الديكتاتوري ترك ودائع مالية بحوالي 360 مليار دولار غالبيتها العظمى، جرى نهبها، وتحويلها الى مصارف خارجية، من قبل بعض الثوار او المقربين منهم، وباتت ليبيا التي تُحكم من قبل ثلاث حكومات وبرلمانيين، وعشرات المليشيات، تستدين من البنوك الغربية لتسديد رواتب موظفيها.

***

“ليبيا الجديدة” باتت تشهد اسواقا لبيع “العبيد” في وضح النهار، وما زال حوالي ثلاثين الفا من أهالي مدينة تاورغاء ممنوعين من العودة الى مدينتهم، والعيش فيها، منذ التنكيل بهم، والفتك بمعظمهم، ووضعهم في معسكرات اعتقال، مثل معسكرات النازية، لأنهم سمر البشرة، ومتهمون بالولاء للنظام السابق، والدول الغربية والأمم المتحدة التي تدعي احترام حقوق الانسان وتغزو دولا تحت شعارها تتحلى بفضيلة الصمت، صمت المتواطيء.

الرئيس باراك اوباما اعترف قبل اشهر من مغادرته البيت الأبيض بأن الشيء الوحيد الذي يندم عليه هو موافقته على التدخل العسكري في ليبيا الذي اعطى نتائج كارثية، وحمل المسؤولية للرئيس الفرنسي ساركوزي، وشريكه ديفيد كاميرون، رئيس وزراء بريطانيا السابق.

الندم لن يعيد الاستقرار والامن الى سبعة ملايين ليبي، ولن يعيد الحياة للآلاف الذين قتلوا برصاص الميليشيات والجماعات المسلحة المتنافسة على الحكم، ولن يعيد عشرات المليارات التي جرى نهبها من قبل “ثوار الناتو”.

الشعب الليبي لا يستحق كل هذه الكوارث والطعنات التي جاءت اليه من “العالم الحر”، وبعض العرب وجامعتهم، وبغطاء من بعض المتآمرين من أبنائه.