خمسة تطورات عسكرية جديدة تؤكد وجود خطة أمريكية إسرائيلية لتوتير الوضع في سورية تمهيدا لتقسيمها.. ما هي؟ ولماذا نعتقد ان المرحلة المقبلة قد تشهد مقاومة اكثر شراسة من نظيرتها العراقية تستهدف القوات الامريكية في العراق وسورية.. وان تجربة أفغانستان صعبة التكرار؟

عبد الباري عطوان

من حق وزارة الخارجية السورية ان تعتبر غارات الطائرات الامريكية التي استهدفت قواتها ومسلحين موالين وارتكبت مجزرة اسفرت عن مقتل 150 شخصا، لها في محافظة دير الزور بمثابة “جريمة حرب”، وجريمة ضد الإنسانية، فالقوات الأمريكية في الأراضي السورية والعراقية جاءت تحت ذريعة القضاء على الارهاب، و”الدولة الإسلامية” على وجه الخصوص، فلماذا لا تغادرها بعد ان انتفت هذه الذريعة، ما الذي تريد تحقيقه من جراء هذه الغارات؟

الإجابة بكل بساطة هي تنفيذ مشروع امريكي بتقسيم سورية، وإقامة قواعد عسكرية أمريكية دائمة في شرق فراتها، الذي تريد سلخه عن غربها ووسطها، بحيث تكون هذه القواعد بديلا عن نظيرتها “انجيرليك” الجوية التركية التي لم يعد مرحبا بالطائرات الامريكية فيها، وارضية للدولة الكردية طور الانشاء.

التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا اعترف فجر اليوم الخميس انه شن غارات على “قوات موالية للنظام” بعد ان شنت هجوما “لا مبرر له” ضد مركز لقوات سورية الديمقراطية شرق الفرات في محافظة دير الزور الحدودية مع العراق، وتدخل هذا التحالف لحماية قوات سورية الديمقراطية ذات الغالبية الكردية يؤكد رغبة الولايات المتحدة في إقامة كيان كردي مستقل شرق الفرات، تقتطعه من سورية، وتوفر له مظلة “حمائية” وتؤسس له جيشا من 30 الف جندي، تدربه وتزوده بالأسلحة الحديثة.

هذه الخطة لن تكون مقبولة من سورية وايران وتركيا والعراق، الامر الذي سيضع الولايات المتحدة وحلفاءها في مواجهة هذه الدول مجتمعة وموحدة، ولا نستبعد ان تتصدر “الخطة الامريكية” جدول اعمال قمة إسطنبول الثلاثية التي ستضم قادة روسيا وايران وتركيا ومن المقرر ان تُعقد في الأسابيع القليلة المقبلة.

***

سورية تواجه هذه الأيام حالة استهداف أمريكية إسرائيلية محكمة الاعداد، لتعويض الخسائر الكبيرة التي منى بها هذا التحالف شمال غرب ووسط سورية وفي لبنان أيضا، ويمكن تلخيص مظاهر التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد سورية في النقاط التالية:

  • أولا: اطلاق خمسة صواريخ إسرائيلية عبر الأجواء اللبنانية يوم امس الأول على اهداف سورية قرب العاصمة، ونجحت الدفاعات الجوية في اسقاط أربعة منها، ولجوء دولة الاحتلال الى استخدام الصواريخ لقصف العمق السوري، وليس الطائرات مثلما جرت العادة طوال السنوات السبع الماضية، يعود الى تطور وتحديث هذه الدفاعات السورية، وبما يعزز قدراتها على اسقاط أي طائرات مغيرة.

  • ثانيا: فتح أمريكا مجددا لملف الأسلحة الكيميائية، واتهام السلطات السورية، دون امتلاك ادلة، بأنها استخدمت غاز الكلور في الغوطة الشرقية، وهذه الاتهامات تستخدم، مثلما جرت العادة، كمقدمة لعدوان امريكي، تماما مثلما حدث قبل اشهر من قصف لمطار الشعيرات بأكثر من خمسين صاروخ “توماهوك”، تحت ذريعة الانتقام لاستخدام أسلحة كيميائية في خان شيخون في ريف ادلب.

  • ثالثا: قصف دمشق، ومناطق قريبة من عمقها، بصواريخ، وقذائف حديثة، تطلقها قوات المعارضة المسلحة من ريف العاصمة، بهدف زعزعة الاستقرار والامن.

  • رابعا: تزويد أمريكا “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقا)، سواء بشكل مباشر او عبر حلفائها العرب، بصواريخ “مان باد”، او “ستينغر” المحمولة على الكتف، واستخدام احداها في اسقاط طائرة روسية من طراز “سوخوي 25″ فوق بلدة سراقب في ريف ادلب في رسالة واضحة الى الحكومة السورية وروسيا أيضا تقول ان الأجواء السورية لم تعد آمنة لتحليق طائراتها بكل حرية.

  • خامسا: التصعيد الإسرائيلي في لبنان المتمثل في الإعلان عن إقامة جدار على طول الحدود داخل الأراضي اللبنانية لفرض امر واقع، واضفاء “شرعية” على المطامع الإسرائيلية في حقول الغاز في المربع التاسع في المياه الإقليمية اللبنانية المحاذية لحدود فلسطين المحتلة.

***

أمريكا مثلما يبدو واضحا اعتمدت الاشقاء الاكراد حليفا إقليميا وتريد استخدامهم كورقة ضد الدول الأربع: ايران وتركيا والعراق وسورية، ولكن حظوظ نجاح خطتها هذه سيكون مثل حظوظ جميع خططها السابقة، أي شبه معدوم، وستتخلى عن حلفائها الاكراد الجدد، مثلما تخلت عنهم وغيرهم في السابق، وتتركهم لمواجهة مصيرهم المؤلم.

القوات الامريكية في سورية والعراق ومنبج ستكون هدفا مشروعا لهذه الدول الأربع، بشكل مباشر او غير مباشر، في المستقبل المنظور، ولا نستبعد تكوين خلايا مقاومة مسلحة لمواجهة هذه القوات تماما مثلما حدث بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، الامر الذي دفع البيت الأبيض الى اتخاذ قرار بسحبها تقليصا للخسائر المادية والبشرية.

هناك اكثر من ستة آلاف جندي امريكي في العراق، والفين في سورية، وهؤلاء سيصبحون صيدا ثمينا لقوات المقاومة الجديدة التي تتحضر حاليا لهذا الغرض، ولا نستغرب اذا ما كانت قوات الحشد الشعبي العراقي، وربما جماعات وفصائل سورية مسلحة موالية لتركيا على غرار ما يحدث في عفرين، احد اعمدتها الرئيسية خاصة فالاولى اصبحت أصبحت “عاطلة عن العمل” بعد استعادة الموصل، والثانية تغير أهدافها حسب ما تمليه عليها تركيا، والزمن دوار.

أمريكا باتت بلا أصدقاء غير بعض الاشقاء الاكراد في المنطقة، فقد خسرت تركيا وسورية والعرق وايران، واذا كانت تعتقد بأنه في إمكانها تحويل سورية وأفغانستان جديدة، وهزيمة الدول الأربع الى جانب روسيا من خلال تزويد جماعات مسلحة بصواريخ “ستينغر” فهي مخطئة تماما، فهذه الدول الاربع قوى إقليمية اصيلة، وليست طارئة محتلة مثل القوات السوفيتية، والحكومة السورية جزء من منظومة إقليمية ودولية جبارة، أي ليست مثل النظام الافغاني الشيوعي الضعيف المحاصر إقليميا ودوليا.

القوات الامريكية ستحل محل تنظيم “الدولة الإسلامية” كهدف لقوات مقاومة شرسة في المنطقة في الأسابيع والاشهر المقبلة.. والسحر الأسود ربما ينقلب وبالا على أصحابه.. والأيام بيننا.