هل نشر الجيش السوري منظومات دفاعية جوية تتنضمن صواريخ “جديدة” في شمال غرب سورية وبطريقة غير مسبوقة جاء بضوء اخضر روسي استعداد لمعركة ادلب الكبرى؟ وهل هذه رسالة تحذير لتركيا؟ وما علاقة هذه الخطوة بمعركة عفرين التي تراوح مكانها واسقاط طائرة “سو 25″ وقتل طيارها؟

عبد الباري عطوان

استعادت القيادة الروسية جثمان طيارها الذي اسقط طائرته صاروخ محمول على الكتف اطلقته قوات تابعة لـ”هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقا) في منطقة سراقب في ريف ادلب، ولعبت تركيا دورا رئيسيا في هذا المضمار، أي استعادة الجثمان، ومن غير المستبعد ان تعيد حطام طائرته أيضا استجابة لطلب روسي.

الرئيس فلاديمير بوتين الذي وصف الطيار البالغ من العمر 33 عاما بأنه بطل لرفضه الاستسلام وتفجير نفسه بقنبلة يدوية كانت في حوزته، بعد تقدم مقاتلي جبهة “النصرة” نحوه، ما زال يلتزم الصمت، ويريد حطام الطائرة كاملا لفحصه، والتأكد من نوعية الصاروخ الذي اسقطها، فهل هو امريكي من نوع “ستينغر”، ام “سام” الروسي القديم.

هناك نظريتان قيد البحث الآن، الأولى ترجيح ان يكون الصاروخ امريكي الصنع حصلت عليه “جبهة النصرة” من طرف ثالث لمنع تقدم القوات السورية المدعومة بغطاء جوي روسي نحو قلب مدينة ادلب، آخر المعاقل الرئيسية للمعارضة السورية في شمال غرب سورية، بينما لا تستبعد الثانية ان يكون هذا الصاروخ من نوع روسي قديم مصدره اما مخازن الجيش السوري التي وقعت في ايدي المعارضة، او من أوكرانيا.

***

الانباء التي نشرتها وكالة “رويترز″ مساء امس الاثنين نقلا عن قائد في التحالف العسكري الداعم للرئيس بشار الأسد، وتفيد بنشر الجيش العربي السوري دفاعات جوية جديدة وصواريخ مضادة للطائرات على الجبهات في منطقتي حلب وادلب تغطي الشمال السوري كله، تشي بأن الانتقام الروسي لاسقاط الطائرة وقتل طيارها سيكون حتما في ادلب، والقضاء على تجمعات جبهة “النصرة” تماما على غرار ما حدث في شرق مدينة حلب قبل عام تقريبا.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو عن تكثيف انتشار الدفاعات الجوية السورية في المنطقة، بمنظومات صاروخية جديدة، خاصة ان “جبهة النصرة” لا تملك طائرات تستخدم هذه الصواريخ لاسقاطها؟

الإجابة يمكن استخلاصها من تصريح للسيد فيصل مقداد، نائب وزير الخارجية السوري، هدد فيه قبيل الهجوم التركي على منطقة عفرين، بإسقاط أي طائرة تركية تخترق المجال الجوي السوري، وتزامنت هذه التصريحات مع تهديدات تركية في هذا الخصوص.

الطائرات الوحيدة التي تخترق المجال الجوي السوري في منطقة عفرين في الوقت الراهن، هي الطائرات التركية المقاتلة التي تقصف مواقع تابعة لقوات حماية الشعب الكردية التي تسيطر عليها، وقد طالبت قيادة الإقليم القوات السورية بالتدخل للدفاع عن هذه المدينة السورية في مواجهة العدوان التركي الذي يستهدف السوريين، ولكن يبدو ان روسيا طالبت سورية عدم تلبية هذه النداءات وسط انباء عن التوصل الى صفقة روسية تركية من ضمنها سحب القوات الروسية من المدينة.

لا نعتقد ان القيادة السورية يمكن ان تحشد مثل هذه المنظومات الصاروخية بدون التنسيق مع الحليف الروسي، الذي حسم خياراته فيما يبدو، أي تصفية “جبهة النصرة” التي تسيطر على ادلب وتحتل مكانة بارزة على قائمة الارهاب الروسية.

انها رسالة روسية سورية مشتركة الى تركيا، تحذرها من التصدي لاي هجوم للجيش العربي السوري، تقول مفرداتها، بأنها ستواجه، أي الطائرات التركية، خطر الاسقاط بالصواريخ السورية “الجديدة” في إشارة واضحة الى احتمال ان تكون من نوع “اس 300″ او حتى “اس 400″، الروسية الحديثة، والا ما هو الجديد غيرها.

***

كل ما ذكرناه آنفا مجرد تحليل وتكهنات، لكن الامر المؤكد ان الانتقام الروسي قادم لا محالة، اللهم الا اذا حصل الرئيس الروسي على تعويض كبير وهو رأس “جبهة النصرة” وحلفائها في ادلب، تقدمه تركيا على صينية من ذهب، وهذا غير مستبعد لثلاثة أسباب، الأول ان عمليتها العسكرية في عفرين ما زالت تراوح مكانها، ولم تحقق التقدم المتوقع بسبب المقاومة الشرسة التي كبدت تركيا خسائر كبيرة في أرواح جنودها، والثاني ان واشنطن رفضت كل تهديدات تركيا، وسحب قواتها بالتالي من منطقة منبج التي يسيطر عليها الاكراد، والثالث ان تركيا قدمت تنازلات للروس في حلب الشرقية سابقا، ولم تتدخل لحماية حلفائها من مقاتلي النصرة والجيش السوري الحر تجنبا لاغضاب الحليف الروسي، وايدت مغادرة هؤلاء المقاتلين في الحافلات الخضراء الى ادلب بأسلحتهم الشخصية الخفيفة فقط، مما يعني ان “البراغماتية” التركية التي تضع مصالح تركيا فوق أي مصالح أخرى، تسود في النهاية.

قوات الجيش السوري استعادت مطار ابو الضهور، وتقدمت في بلدة سراقب، واستعادة عشرات، وربما مئات القرى في ريف ادلب، استعدادا للهجوم الحاسم على المدينة الذي بات ينتظر الضوء الأخضر الروسي، الذي سيعجل اسقاط “النصرة” طائرة السوخوي الروسية بصدوره حتما في الأيام القليلة المقبلةـ ان لم يكن قد صدر فعلا.

الرئيس بوتين يبقي أوراقه قريبة جدا الى صدره، ويتحلى بضبط النفس في الوقت الراهن، ولا يريد الاقدام على أي خطوة قبل الحصول على ادلة دامغة، واجراء الحسابات الدقيقة، وهذا لا يعني ان الرد الروسي على إهانة اسقاط الطائرة قد يكون اكبر مما يتوقع الكثيرون، اللهم الا اذا كان التعويض ضخما، بل ضخما جدا، عنوانه استعادة ادلب وانهاء “دولة النصرة”، فيها سلما او حربا.