كيف سيكون رد روسيا على اسقاط “النصرة” لطائرتها في سماء ادلب؟ ومن هي الجهة التي زودتها بصواريخ “مان باد” التي قد تحول مجرى الحرب في سورية؟ هل هي أمريكية ام عربية ام تركية؟ اليكم بعض الإجابات

عبد الباري عطوان

اعلان محمود تركماني القائد العسكري في “هيئة تحرير الشام”، او “جبهة النصرة” سابقا، اسقاط طائرة حربية روسية من نوع “سوخوي 25″ فوق مدينة سراقب في ريف ادلب، يشكل نقطة تحول رئيسية في الحرب السورية ربما تكون لها تبعات خطيرة في المجالين العسكري والسياسي معا، وقد يؤدي الى توتير العلاقات بين الدولتين العظميين، او روسيا وتركيا على الأقل.

الطائرة الروسية جرى اسقاطها، مثلما تشير التقارير الأولية، بصاروخ حراري متطور محمول على الكتف من نوع “مان باد” الأمريكي الصنع، مما يؤكد ان “هيئة تحرير الشام” حصلت عليه من “جهة ما” في الآونة الأخيرة.

هناك احتمالان اساسييان يمكن ان يسلطا الاضواء ويعطيان إجابة عن أي تساؤلات حول هوية هذه الجهة:

  • الأول: ان تكون “هيئة تحرير الشام” التي يتزعمها ابو محمد الجولاني قد حصلت على هذا النوع من الصوارخ من الولايات المتحدة مباشرة في إطار خطة جديدة لتصعيد الحرب، وزيادة الضغوط على روسيا التي خرجت وحلفاؤها كطرف منتصر فيها.

  • الثاني: ان تكون هذه الصواريخ وصلت الى “النصرة” من طرف إقليمي ثالث، واصابع الاتهام تشير الى أربعة أطراف، الأول تركيا، والثاني قطر، والثالث الأردن، والرابع المملكة العربية السعودية.

***

الإدارة الامريكية وعلى لسان متحدث باسم الخارجية سارعت لنفي تقديمها مثل هذه الصواريخ الى أي جهة في المعارضة السورية، واذا صدقنا هذا النفي، فإن الاحتمال الثاني يظل هو الأكثر ترجيحا، أي من “دولة ما” قررت تسريب هذه الصواريخ الى “هيئة تحرير الشام”، في محاولة لتغيير موزاين القوى في منطقة ادلب لصالح الأخيرة، ووقف تقدم قوات الجيش السوري المدعوم بغطاء جوي روسي، وهو التقدم الذي تمثل في استعادة مئات القرى، ومواقع استراتيجية على درجة كبيرة من الأهمية مثل مطار الظهور العسكري، فاستعادة ادلب يعني نهاية “النصرة” واحرار الشام، وعشرات الفصائل المتحالفة معها.

الاحمال الثاني هو الاكثر ترجيحا، فالمعارضة السورية المسلحة، و”هيئة تحرير الشام” وفصائل في الجيش السوري الحر، ظلت طوال السنوات السبع الماضية “تتوسل” داعميها الامريكان والأتراك والعرب بتزوديها بصواريخ مضادة للطائرات، مثلما زودوها بصواريخ “تاو” المضادة للدبابات، للتصدي للطائرات السورية والروسية التي تستهدفها، ولكن نداءات الاستغاثة هذه ووجهت برفض امريكي حاسم لسبب بسيط، وهو ان الإدارة الامريكية كانت تخشى ان يقع هذا النوع من الصوارخ في ايدي جماعات إسلامية متشددة “الدولة الإسلامية”، تستخدمها ضد الطائرات الامريكية او حتى المدنية الإسرائيلية، خاصة ان كميات ضخمة من العتاد العسكري والمقاتلين السوريين الذين دربتهم وسلحتهم أمريكا انضموا بأسلحتهم اليها.

لا نستبعد ان تكون الإدارة الامريكية التي سعت لتخريب مؤتمر سوتشي للحوار السوري، اوعزت للفصائل الموالية لها، والمدعومة سعوديا وتركيا، بعدم المشاركة في المؤتمر المذكور، قد أوكلت مهمة تسليم هذا النوع من الصواريخ المضادة للطائرات الى احد حلفائها في المنطقة، تطبيقا للمرحلة “B”، أي التخريب العسكري.

ردة فعل القيادة الروسية كانت غاضبة، وتمثلت في ردين، الأول عسكري: قصف سريع للمنطقة التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” وقواتها في منطقة اسقاط الطائرة، وقتل طيارها الذي هبط بالمظلة، وقاتل حتى الموت رفضا للاستسلام والاسر بالتالي، وأعلنت القيادة العسكرية الروسية ان هذا القصف اسفر عن مقتل 35 من عناصر الهيئة.

ام الرد الثاني فركز على الجانب الأمني الاستخباري، وهو من شقين، الأول العمل على استعادة جثمان الطيار بالتنسيق مع تركيا، واجراء تحقيقات مكثفة ودقيقة لمعرفة الجهة التي زودت “هيئة تحرير الشام” بهذا النوع من الصواريخ.

صواريخ “ستينغر” المحمولة على الكتف التي زودت أمريكا المجاهدين الأفغان بكميات كبيرة منها حسمت الحرب، وأدت الى هزيمة الاتحاد السوفييتي، وسحب قواته كليا من المنطقة، ولا نبالغ اذا قلنا ان هذه الصواريخ وضعت نقطة بداية النهاية للمنظومة الشيوعية، ولعبت دورا كبيرا في تفكيك امبراطوريتها، واطلاق رصاصة الرحمة على قيادتها الهرمة المتآكلة.

السؤال هو عما اذا كانت واشنطن ستعيد التجربة نفسها في سورية، وتستخدم صواريخ “المان باد” لهزيمة روسيا الاتحادية في سورية، من خلال انهاء سيطرتها وحلفائها السوريين في الأجواء السورية؟

ربما من المبكر التكهن بأي إجابة على هذا السؤال، لان المعلومات ما زالت شحيحة، لكن ما يمكن قوله، ان روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفييتي، والقيادة الروسية الحالية المتمثلة في الرئيس  فلاديمير بوتين ليست مثل نظيرتها السوفييتية المتمثلة في غورباتشوف صاحب “البيريسترويكا”، والمتهم بالعمالية للغرب.

***

الرئيس بوتين كظم الغيظ، ولم يبادر الى رد فعل انتقامي ضد تركيا عندما اسقطت طائرة سوخوي مماثلة في نوفمبر 2015 قرب الحدود السورية، وحققت سياسة ضبط النفس هذه ما هو اكثر من اعتذار تركي وباللغة الروسية على لسان الرئيس رجب طيب اردوغان، الذي طار الى موسكو لطلب الصفح، ونحن نتحدث هنا عن خروج تركيا من الحلف الأمريكي الى الحلف الروسي الإيراني، مما انعكس إيجابا على المشهد السوري، من حيث استعادة القوات السورية لمحافظة حلب بتعاون تركي، والتوصل الى اتفاق مناطق خفض التوتر الأربع، وتخفيف حدة القتال في معظم انحاء البلاد باستثناء بعض الجيوب، وآخرها منطقة ادلب.

فاذا كان الطيار الروسي رفض الاستسلام واستمر بإطلاق النار حتى سقوطه قتيلا، فهل نتوقع من الرئيس بوتين ان يبلع هذه الإهانة، ويخسر الحرب في سورية؟

لا نستبعد ان يكون ثمن هذه الطائرة “السوخوي” ودم طيارها “الاولي” تسريع الهجوم لاستعادة محافظة ادلب بالكامل، والقضاء على “هيئة تحرير الشام” والفصائل الأخرى، المتحالفة معها كحد ادنى، التي تصنفها موسكو على قوائم الإرهاب، وسيكون امام أمريكا وحلفائها في هذه الحالة احد الخيارين، اما الصمت، او المواجهة العسكرية، وستكون النتائج خطيرة في الحالي.

الأيام المقبلة للمشهد السوري ستكون مقلقة على الصعد كافة، وقد نكون نعيش حاليا صمتا روسيا يسبق عاصفة كبيرة جدا، وما اتهام برلماني روسي لامريكا بتسليم هذه الصواريخ الى “جبهة النصرة” الا اول الغيث في ازمة كبرى قادمة.. وبوتين اعلم.